تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٩ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٦٤
لقوله تعالى: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً* فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ*- الى قوله:- أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [٥٦/ ٧- ١١] و لقوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [٣٥/ ٣٢] فكذلك الموجودون منهم في الدنيا على ثلاثة أقسام، كل قسم منها مرآة و مثال لما يؤول اليه عاقبة أمره، و أحواله و أحكامه الحاضرة مثال لأحواله و أحكامه الغائبة.
فالمتوطنون فيها، المكبّون على شهواتها أمثلة أصحاب الشمال الواقفون على النار من الأشرار و الأشقياء المردودين الجهّال الضلال المقيدين بالسلاسل و الاغلال، و انكبابهم على شهواتها مثال احتراق أهل النار لحرقاتها.
و المتعبدون الزاهدون من أهل السعادة و الصلاح هم مثل أصحاب اليمين و أهل النجاة.
و أما العلماء الراسخون السالكون الى اللّه، و الأحرار المرتفعون عن الخسائس الدنيّة، المعرضين عن لذّاتها الحيوانيّة، فهم المقربون الى اللّه تعالى، المارون على الصراط كالبرق الخاطف من غير أن يصل اليهم أثر حرها و ضرها، كما
قال واحد من أهل بيت النبي- عليه و عليهم الصلوة و السلام- لما سئل عن قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [١٩/ ٧١]: «جزناها و هي خامدة»
و قوله تعالى عقيب ذلك: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا اشارة الى أهل النجاة و السعادة، و قوله: وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا اشارة الى أهل النكال و الشقاوة.
و من نظر الى حال كل فرقة بعين الاستبصار و الاعتبار، و رجع الى عالم الانصاف من الجور و الاعتساف، انكشف عليه أن التضاد متحقق بين أهل التوحيد و أصحاب الشمال، حيث ان أحواله و أفعاله على ضد أحوال هؤلاء و