تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٥ - مكاشفة
يحتمل الانقطاع و مما ينفع فيها شفاعة الشافعين، و أما الكفر و الجحود و ما يترتب عليهما من الصفات فلا مطمع لانقطاع عذابها، لان عذاب الجهل المشفوع بالإصرار، المركب مع الاغترار و الاعجاب و الاستكبار مما لا يزول أبدا مخلدا نعوذ باللّه منه.
فقوله: «وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ» اشارة الى هذه الامتيازات و الانقسامات الواقعة إذا وقعت الواقعة، و هذه الصور مبادي الفصول المقسمات المنكشفة يوم القيامة للخلائق، و اليه الاشارة بقوله: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ [٢٧/ ٨٣].
و مما يدل على ان الناس بحسب البواطن و القلوب انواع مختلفة حسب اختلاف الصفات الراسخة فيهم قوله: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [٩٩/ ٦].
و في القرآن آيات كثيرة دالة على أن النفوس الانسانية كانت في مبادي الفطرة و أوائل النشأة الدنياوية نوعا واحدا، ثم اختلفت بحسب الفطرة الاخرة و النشأة الثانية أنواعا كثيرة بواسطة اختلاف الضمائر و النيّات الحاصلة من الاعمال المناسبة لها، مثل قوله تعالى: وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [١٠/ ١٩] و قوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [٢/ ٢١٣] و قوله: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١٦/ ٩٣] و قوله: وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٣٥/ ٢٨] فدلت هذه الاية على أن الإنسان مختلف الأنواع كالنبات و الحيوان، و أن العلماء و أهل الخشية نوع مبائن لغيرهم من أفراد البشر، و انما ذلك بحسب الفطرة الثانية و النشأة الاخرة.
قال بعض الحكماء المتقدمين: «من أراد الحكمة فليستحدث لنفسه فطرة