تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٨ - مباحثة اخرى
فيه من غير نفسه المحركة إياه حركة متشابهة مستمرة على نهج واحد.
و ان كان جرما مركبا دخانيا تحت كرة النار ٢٨ كما زعمه قوم فهو ايضا غير صحيح لعدم اعتدال فيه يصلح لقبول النفس المدبرة له، فانه ان قرب من النار فتحيله بسرعة الى جوهرها، و ان بعد منها فيكون في حيّز الهواء، فاما أن يتخلخل فيصعد بحر، او تتكاثف فينزل ببرد، و ليس فيه جرم محيط يغلب عليه من الصلابة و اليبس ما يحفظه من التبدد و يحرسه عن ممازجة غيره به، كما للجوهر الدماغي فينا، ليتعين فيه محل التخيل بتشكلاته، و لا بد من جوهر يابس لينحفظ فيه الصور، و رطب ليقبل.
ثم لما كانت النفوس المفارقة عن الأبدان الانسانية غير متناهية عندهم، لزم مما ذكروه اجتماع المفارقات كلها على جسم من أجسام العالم، فيلزم اما نهاية تلك الجواهر او عدم نهاية ذلك الجسم، و كلاهما محال فلا يستتم ما قالوه و لا يستقيم ما تصوروه من كونها مما يتعذب به الأشقياء.
و كما لم يجز ذلك في الجرم الفلكي، فكذلك لا يصح في جرم ابداعى غير منخرق منحصر نوعه في شخصه كما توهموه بل هذا الجرم أيضا كما فرضوه له طبيعة خامسة فلكية و ان كانت تحت كرة القمر للزوم كونه غير مستقيمة الحركة بل ذا حركة مستديرة دائمة يخرج بها أوضاعه و كمالاته من القوة الى الفعل، و سائر صفات الأفلاك على رأيهم، و لعل عدد نفوس الأشقياء غير متناه على رأيهم كما مر، فكيف يكون جرم دخاني متناه موضوعا لتصرفاتها و صورها الادراكية الغير المتناهية، إذ لا أقل من أن يكون فيه بإزاء تعلق كل نفس و كل ارتسام صورة فيها قوة و استعداد لها، فيلزم أن يكون جرم واحد ذا قوة غير متناهية مجتمعة، و ذلك معلوم الفساد.
بل الحق أن الصور الملذة للسعداء و المؤذية للأشقياء في النشأة الثانية-