تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦ - مكاشفة برهانية
مكاشفة برهانية
قد سبقت الاشارة الى أن الإنسان إذا مات عن الدنيا و لذاتها، و صفت نفسه عن درن الشهوات، و تنورت بأنوار العبودية و الطاعة، و تخلّقت بأخلاق اللّه، و بلغت مقام الفناء في التوحيد، فحشر الى ربه و تسرمد بسرمديته، و نفذ حكمه في العالم على حسب التابعية و مقام الرضا، و استشرق ذاته اللطيفة الصافية باشراق نور المحبة في أرجائها، فتكرم بكرامة التكوين و الإيجاد، فتسخر له ما في الملك و الملكوت، و يسمع دعاؤه و دعوته في عالم الجبروت، لكونه وليد القدس و خليفة اللّه في أرضه، و يكون ممن أمر اللّه سبحانه بواطن الملكوت و الروحانيين و عباده المسبحين بأن يسجدوا له كلهم، بقوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ [٢/ ٣٤] و يكون ممن يطيع له الملكوت و يسجدون له كما سجد الملائكة كلهم لأبيه آدم حين أمرهم اللّه بسجوده، كما في قوله تعالى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [٣٨/ ٧١- ٧٢] و هاهنا يظهر سر ما
ورد في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم «ان العالم يستغفر له من في السماء و من في الأرض حتى الحيتان في البحر» [١].
و بالجملة الإنسان إذا انخرط في سلك المقربين يصير نفس تصوره لكل ما يتمناه نفس وجود ذلك الشيء في العين، كما ان قبل ذلك يعم لكل أحد إذا تصور شيئا و تمنّاه خضع له في عالم توهمه، و يكون نفس تصوره لشيء وجودا خياليا ذهنيا له، فلكل احد هاهنا ما يشتهى نفسه في خياله و ضميره، الا ان ضميره و باطنه في غاية القصور، و ارادته و همّته في غاية الضعف، فيكون للأشياء
[١] - ترمذى: كتاب العلم الباب ١٩: ٥/ ٤٩.