تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٥٥
و صفاتهم مترتبة عليها، بل الاعمال القبيحة الواقعة منهم في الدنيا بواسطة ما في ضمائرهم و نيّاتهم صارت ملكة راسخة في نفوسهم، و انحرفت بسببها فطرتهم الاصلية، توجب لهم تصورات باطلة و أفكار مؤلمة موحشة موجودة بوجود اخروي يناسبها، فتطّلع على أفئدتهم ما كان مستكنّا فيها.
و لو تيسّر للشقي الفاجر أن يشاهد باطنه في الدنيا بنور البصيرة ليراه مشحونا بأصناف السباع و الشياطين و أنواع الوحوش و الهوام، مثّل لغضبه و شهوته و حقده و حسده و عجبه و رياه و مكره و حيلته، و هي التي لا تزال تفترسه و تنهشه، الا أنه محجوب عن مشاهدتها فإذا رفع هذا الحجاب و انكشف الغطاء و وضع في قبره عاينها و قد تمثلت بصورها و أشكالها الموافقة لمعانيها.
و أول ما يقع بصر أحدهم على صورة عمله- المطابقة إياه- يرى بعينه العقارب و الحيات قد أحدقت به، و انما هي صفاته الحاضرة الآن قد انكشفت له صورتها، فيقول: «يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين» و يريد أن يهرب عنها، و أنّي يتصور لاحد أن يهرب عن نفسه و لازم نفسه! و على هذا القياس حكم الاعمال الحسنة الواقعة من أهل السعادة الاخروية المصورة في القيامة بصورة ملذة حسان، من حور و غلمان و جنة و رضوان، فان حقيقة تلك الصور هي موجودة معه مختفية في باطنه، و انما تصير حاضرة مشهودة له يوم القيامة بواسطة رفع الحجاب، لقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [٣٢/ ١٧].
قوله سبحانه: [سورة يس (٣٦): آية ٥٥]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥)
قد مر في تفسيرنا لآية الكرسي أن أصحاب النار بالاصالة هي النفس و