تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٥٥
الشيطان، لأنهما ظلمانيتان بجوهريهما، حاصلتان من سنخ الطبيعة النارية الكدرة الدخانية من عالم الاجرام السفلية، و أن اصحاب الجنة بالاصالة هي الروح و الملائكة ٢٥، لأنهما نورانيتان بجوهرهما، حاصلتان من سنخ الحقيقة النورية اللطيفة من عالم الأنوار العلوية.
و أما القلب الانساني فهو ذو وجهين: وجه الى النفس و وجه الى الروح، انما ينقلب الى أحد من هذين القبيلين بمزاولة أحوال (أعمال- ن) تناسبه، فيصير اما من أصحاب الجنة- و هم أصحاب اليمين- و اما من أصحاب النار- و هم أصحاب الشمال-. و الجنة موطن أهل السعادة و مصعدهم في جهة العلو، كما أن النار موطن أهل الشقاوة و مهبطهم في جهة السفل.
و التنكير في قوله: «في شغل» مشعر بأن شغلهم شغل لا يوصف بحد من جهة المشغول فيه و المشغول عنه جميعا:
أما المشغول فيه فما ظنك بشغل من وصل الى دار الكرامة و منزل المصطفين الأبرار و منبع الخيرات الحسان، فاز بالنعيم الدائم و وصل الى الحق القائم و وقع في ملاذ و سعادات لا يكتنه وصفها و لا يحاط بنعمتها، مع كرامة و تعظيم و شرف مقيم.
و أما المشغول عنه فما ظنك بشغل من تخلّص من هموم الدنيا و أحزانها و أمراضها و آلامها، و هجوم آفاتها و أهوالها من مشاق التكليف و مضائق التقوى و الخشية، و مرارة الصبر طول العمر عن اللذات و المرغوبات، و تخطى الأهوال و الاخطار و الموت عن مأنوساتها بالاختيار و الاضطرار، و مفارقة الاحبة و الاخوان و مهاجرة الأولاد و الاقران، و مقاسات المحن من الحساد و الاعداء و مشاهدة أوضاع الفجرة و الفسّاق، و سوء عقائدهم و قبح أعمالهم و غدرهم و مكرهم، و ترفّع حال الجهّال و تصدر الأرذال- الى غير ذلك من مكاره هذه