تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٧ - حكمة قرآنية
من الاخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور.
و أما من تصوّر كيفية الدار الاخرة و تحقق أمر المعاد و عرف فضلها و شرفها و سرور أهلها و لذات السعداء و نعيمهم و ملكهم، فأى عذر له في التمني للخلود في الدنيا و الإخلاد الى الأرض و طلب الرفعة و الرياسة فيها الا خللا و سفها في عقله او فسادا في اعتقاده و إيمانه، كأكثر من نراه من المنتسبين الى الايمان، وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ [١٢/ ١٠٦].
حكمة قرآنية
هذه الاية و نظائرها كقوله: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢٧/ ٩٠] و قوله: لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [٥٣/ ٤٠] و قوله:
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [٣/ ٣٠] و غيرها نصوص جليّة و براهين واضحة على ان الثواب و العقاب في دار الاخرة انما يكونان بنفس الاعمال و الأخلاق الحسنة و السيئة لا بشيء آخر يترتب عليها، فالملذ و المؤلم، و النعمة و النقمة، و الجنة و النار في دار القرار هي نفس صور الاعمال و الآثار، كما دل عليه
قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «انما هي أعمالكم ترد عليكم»
و
قوله: «ان الجنة قيعان و ان غراسها سبحان اللّه»
[١] و كذا قوله تعالى يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [٢٩/ ٥٤] و قد مر تحقيق هذا المطلب في سلف القول.
فالعقوبات الالهية الواصلة الى المجرمين كما انها ليست من باب الانتقام الواقع عليهم من منتقم منفصل مبائن يوقع الآلام و الشدائد عليهم، و يوصل المكاره و المحن اليهم، فكذلك ليست الآلام و المكاره أمورا خارجة عن ذاتهم
[١] - الترمذي. كتاب الدعوات، الباب ٥٩: ٥/ ٥١٠.