تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٦ - حكمة فرقانية
- كما ورد في الحديث المتفق على صحته [١]
-.
و هذا بعينه حال من مات عن حيوة هذه النشأة و حيّي بحياة الاخرة فقد قامت عليه الساعة، و ان كان بعد في الدنيا بحسب الصورة الظاهرة،
لقوله صلى اللّه عليه و آله: «من مات فقد قامت قيامته» [٢].
و أما القيامة الكلية فهي انما تتحقق عند موت الجميع و فناء الكل، و العارف لا يحتاج في مشاهدة أحوال الاخرة الى فناء الكل و قيام الساعة على الجميع، لأنه من أهل الاعراف المشاهدين لأحكام الاخرة و أحوال الدنيا، العارفين بمن في الجنة و النار، لقوله تعالى: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ* وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [٧/ ٤٦- ٤٧].
و هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه، لأنهم قوم انبعثوا من موت الجهالة و انتبهوا عن رقدة الغفلة، و انفتحت بصيرتهم و استبصروا بعين اليقين و نور الهداية، و شاهدوا جميع الخلائق و حشرهم و حسابهم، لأنهم حاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا يوم حساب الخلائق، و هم قوم استوت عندهم الأماكن و الازمان، و تغاير الأمور و تصاريف الأحوال، فقد صارت الأيام كلها يوما واحدا لهم وعيدا واحدا و جمعة واحدة في حقهم، لتحققهم
بقوله صلى اللّه عليه و آله: «بعثت أنا و الساعة كهاتين» [٣].
فيوم واحد عندهم كألف سنة مما تعدون، و خمسين ألف سنة لغيرهم، و صارت الأماكن كلها مسجدا واحدا لتحققهم
بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «و جعلت لي الأرض
[١] - مضى الحديث آنفا.
[٢] - قال العراقي (ذيل احياء العلوم ٤/ ٤٩٥): أخرجه ابن ابى الدنيا في الموت.
[٣] - الترمذي: كتاب الفتن، ٤/ ٤٩٧.