تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥ - حكمة فرقانية
أُوتِيَ [٨٤/ ٧]- الآيات.
و اكثر الناس في غفلة عريضة و ذهول طويل عنه لقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا و قوله: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [٥٠/ ١٥] و قوله: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [٢٧/ ٨٨].
و من هذا الجهل المحيط بهم نشأ تعلقهم بهذه الحيوة الفانية و إخلادهم الى هذه الأجسام البالية، و ركونهم الى البدن و نسيانهم أمر العاقبة، و جعلهم الدنيا نصب أعينهم و الاخرة خلف آذانهم، و انكبابهم الى الشهوات، و اعراضهم عن سماع الآيات، فكل هذه الأمور ناشية من ذهولهم و غفلتهم عن زوال الدنيا و ثبات الاخرة، و جهلهم بأن الدنيا ليست الا لحظات أوهام و خطرات أفهام، و لمحات أبصار و فلتات خواطر، و لهذا تعجبوا عند ظهور الساعة و تحقق البعث و كشف الغطاء قائلين: «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟» فقيل لهم: «هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون» فهؤلاء- و هم أكثر الناس- منكرون بالحقيقة للقيامة و البعث، شاكّون في قيام الساعة و تحقق المعاد يوم يَرَوْنَهُ بَعِيداً* وَ نَراهُ قَرِيباً [٧٠/ ٧].
و اما المقر بالاخرة، المؤمن بالمعاد، الموقن بيوم الحساب، فهو الذي تنبّهت نفسه من نوم الغفلة و رقدة الضلالة، و انبعثت من موت الجهالة، و حيّت بروح المعارف و انفتحت لها عين البصيرة، فيشاهد يوم القيامة و يرى كأنها قد قامت،
فإذا سئل و قيل له: «كيف أصبحت؟» قال: «أصبحت مؤمنا حقا» فإذا قيل له: «و ما حقيقة إيمانك؟» قال: «أرى كأن القيامة قد قامت، و كأنى بعرش ربي بارزا، و كأن الخلائق في الحساب، و كأني بأهل الجنة فيها منعّمين، و أهل النار فيها معذبين» فقيل: «قد أصبت فألزم بعين الطريق»