تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٠ - مكاشفة اخرى في تصوير معنى هذه الاية و خروج الخلق سراعا من القبور الى الله و إسراعهم من الأجداث الى ربهم
و تمامية الشيء و كماله انما يحصل له عند وصوله الى الحالة الاصلية التي كانت له بحسب الذات إذ هي مما يوافق ذاته و يلائم طباعه، و كل ما يكون غير تلك الحالة من سائر الحالات فهي لا محالة غريبة عن ذاتها مؤلمة لها، و الحالات الغريبة عن الشيء تزول عنه، فيرجع الشيء آخر الامر الى الصفة الاصليّة التي له أولا كما مر.
و الحالة الاصلية للشيء، انما تحصل له في مأواها الطبيعي، و المأوى الطبيعي للنفوس و الأرواح الانسانيّة عالم الاخرة التي هي باطن هذا العالم الظاهر، و غيب هذه الشهادة، و هو عالم الأرواح و موطنها الحقيقي و معادها بحسب طبقاتها و درجاتها و معادنها
«الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة» [١]
و مبادي النفوس و مواطنها مختلفة، و كلها من عالم الملائكة النورانيّة- على كثرة طبقاتهم- و كل منها يرجع الى أصله ان لم يزاحمها شيء من العوائق و السيئات قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [١٧/ ٨٤] وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [٦/ ١٣٢].
فالنفوس الصالحة المرضية تحشر في زمرة الملائكة و تأوى الى رحمة اللّه، و النفوس الشقيّة تحشر مع الشياطين، ممنوعة عن عالمها، مطرودة عن باب اللّه، محرومة عن مواطنها، و ما لم يصل النفس الى عالمها و معدنها لم تسكن و لم تطمئن من انزعاجها و استفزازها، لأنها كانت في مأواها الاصلي حيّة مختارة لطيفة، عالمة، قادرة بقوة مبدعها و سائحة في عالمها، فرحانة مطمئنة عند بارئها في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإذا هبطت من عالمها و مأواها و جنّة أبيها و انحطت الى السفل و جولت الى الدنيا و أجسامها المكدرة الظلمانية انقلبت
[١] - المسند ٢/ ٥٣٩ عن النبي (ص).