تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩ - تعليم فرقانى فيه سر رباني
سلك سبيل سيرها و درجات قربها من الرحمان، الى أن بلغت أشدها العقلي و رشدها المعنوي، فإذا رفع الحجاب و كشف الغطاء كانت كل واحدة منها في مرتبتها التي بلغت اليها طرفة عين.
و انما الغرض الأصلي من إرسال الرسل و انزال الكتب، الاعلام و التأكيد لأهل الهداية، و زيادة التشويق و الترغيب و الانذار و الترهيب لهم، و إبلاغ الحجة على أهل الشقاوة و الجحود، و زيادة الابعاد و الطرد و الحجاب فيهم، فان التعليم و الإرشاد لا يوجب لأهل النقمة إلا غيّا و ضلالا، كما أن الماء الصافي لا يزيد في الجيفة الا تعفينا و إفسادا، كقوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [٢/ ٢٦] و كقوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [٨/ ٤٢].
فقوله: «اتقوا» خطاب المشركين او لجميع المكلفين، الا أن السامع لهذا الكلام و المطيع له من عرف نهاية حال الواغلين في الشهوات و وخامة عاقبة المتلذذين بهذه المزخرفات و أما الجهال و المنافقون فشأنهم الاعراض عن سماع هذه الآيات و الاستهزاء بمن أتى بالحجج و البينات، كما دلت عليه هذه الاية و ما يتلوها كناية و تصريحا.
و قوله: «ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» اشارة الى الصورة المؤلمة التي تشاهدها الأشقياء في القبر و القيامة، و عند البعث و الحشر، و عند الصراط و السياق الى الجحيم.
و قوله: «وَ ما خَلْفَكُمْ» اشارة الى الاعمال و الافعال القبيحة المؤدية الى الملكات و الأخلاق الردية في عالم القلب الإنساني، المنكوس الى السفل، المنتجة في عالم الاخرة الى الصورة المؤلمة الموحشة المعذبة من النيران و الجحيم و سلاسلها و أغلالها و حميمها و زقومها و عقاربها و حيّاتها و و هداتها.