إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٨٠ - تكملة لهذا الباب
فقال لي يا هرثمة إنّي مطلعك على أمر يكون سرا عندك لا تظهره لأحد مدة حياتي فإن أظهرته حال حياتي كنت خصيما لك عند اللّه، فحلفت له أني لا أتفوّه بما يقوله لي مدة حياته.
فقال لي: اعلم يا هرثمة أنه قد دنى رحيلي و لحوقي بجدي و آبائي و قد بلغ الكتاب أجله و إني أطعم عنبا و رمانا مفتوتا فأموت و يقصد الخليفة أن يجعل قبري خلف قبر أبيه الرشيد و إن اللّه لا يقدره على ذلك.
و إن الأرض تشتد عليهم فلا تعمل فيها المعاول و لا يستطيعون حفر شيء منها فتكون تعلم يا هرثمة إنما مدفني في الجهة الفلانية من الحد الفلاني بموضع عيّنه له عنده، فإذا أنا متّ و جهزت فأعلمه بجميع ما قلته لك ليكونوا على بصيرة من أمري و قل له إن وضعت في نعشي و أرادوا الصلاة عليّ فلا يصلى عليّ و ليتأنّ بي قليلا فإنه يأتيكم رجل عربي ملثم على ناقة له مسرع من جهة الصحراء عليه وعثاء السفر، فينيخ راحلته و ينزل عنها فيصلي علي و صلّوا معه عليّ فإذا فرغتم من الصلاة عليّ و حملتموني إلى مدفني الذي عينته لك فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا مطبقا مغمورا في قعره ماء أبيض إذا كشفت عنه الطبقات نضب الماء فهذا مدفني فادفنوني فيه، و اللّه و اللّه يا هرثمة إن تخبر بهذا أو شيء منه قبل موتي قال هرثمة فو اللّه ما طالت الأناة حتى أكل الرضا عند الخليفة عنبا و رمانا مفتوتا فمات .. (إلى أن قال).
قال هرثمة: فدخلت على عبد اللّه المأمون لمّا رفع إليه موت أبي الحسن الرضا فوجدت المنديل في يده، و هو يبكي عليه فقلت: يا أمير المؤمنين ثمّ كلام أ تأذن لي أن أقوله لك؟.
قال: قل، قلت: إنّ الرضا أسرّ إليّ في حياته بأمر و عاهدني أن لا أبوح به لأحد إلا لك عند موته و قصصت عليه القصة التي قالها لي من أولها إلى آخرها و هو متعجب من ذلك ثم أمر بتجهيزه و خرجنا بجنازته إلى المصلّى و تأنّينا بالصلاة عليه قليلا فإذا بالرجل قد أقبل على بعير من جهة الصحراء كما قال و نزل و لم يكلم أحدا فصلى عليه و صلى الناس معه و أمر الخليفة بطلب الرجل فلم يروا له أثرا و لا لبعيره.
ثم إن الخليفة قال: نحفر له من خلف قبر الرّشيد، فقلت له يا أمير المؤمنين أ لم نخبرك بمقالته قال نريد ننظر إلى ما قلته فعجز الحافرون فكانت الأرض أصلب من الصخر الصوان و عجزوا عن حفرها و تعجب الحاضرون من ذلك.