التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٥٠٩
وأما الأمر الثاني ففيه أولاً: أنّ قول أبي الجارود: وكان بعض أصحابنا يضحي فيه إشعار بأن المقام ليس مقام تقية، وإلاّ فلا معنى لتضحية بعض الأصحاب، فالمسألة تتناول موضوعاً خارجياً لا حكماً شرعياً حتى يرجع فيه للإمام عليه السلام .
وثانياً: أنّ قوله عليه السلام : »والصوم يوم يصوم الناس« أي تقية فيه؟ فإن مورد التقية إنما هو الإفطار لا الصوم، وما ورد في بعض الروايات من هذا القبيل فهو من باب الأشباه والنظائر، وإلاّ فلا تقية في الصوم لأنّ المكلف يمكنه إظهار أنّه صائم وهو غير صائم في الواقع.
وثالثاً: أنّ الشيخ روى في التهذيب هذه الرواية بسند آخر عن نفس أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي عليه السلام يقول: صم حين يصوم الناس، وافطر حين يفطر الناس، فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت[١] .
وهذه الرواية لم تشتمل على صدر تلك الرواية ولم يذكر فيها التضحية، والمذكور هو الفقرتان الأخيرتان بإضافة التعليل بقوله: »فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت« ومعنى ذلك: أنّ الاعتبار إنما هو بالهلال لأنه أمر توقيفي فالحجة من جهة رؤيتهم الهلال، وهذه الرواية ظاهرة في أن المقام ليس مقام تقية بل من جهة الرؤية والشهادة.
فإن قلنا: إنّ هذه الرواية عين الرواية السابقة كما لا يبعد ـ فإنّ الراوي واحد والإمام واحد، وإن اشتملت على زيادة ونقيصة ـ فحينئذ لا تكون الرواية واردة في مقام التقية، والحكم بمتابعة الناس في إفطارهم وصيامهم إنما هو من جهة الشك، مضافاً إلى أنّ الرواية ليست واردة في الحج، وذكر التضحية لا يخصصها
[١] ـ تهذيب الأحكام ج ٤ باب علامة أول شهر رمضان وآخره، الحديث ٣٤ ص ١٦٤ .