التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٤٤
وإنّ الشرارة التي أذكت نارالتقية، وأصبحت بعد ذلك مقترنة بالشيعة
بدأت برحيل النبيّ صلي الله عليه و آله ولقائه بالرفيق الأعلى، حينما أقصي أمير المؤمنين عليه السلام عن منصب قيادة الأمة بالحق ومع الحق وإلى الحق فالتزم الصمت عن المطالبة بحقه إبقاءاً على الدين، وحفاظاً على مبادىء السماء، وإلاّ فقد كان بمقدوره أن يشعلها حرباً لا هوادة فيها ـ وهو الفارس المهاب ـ لتكون بعد ذلك فتنة لا ينجو منها أحد، بيد أنّه ـ وعند تزاحم المقتضيات ـ آثر السكوت وإن جُهل قدره ومقامه أو سُلب حقه المشروع.
ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام قد خسر في ذلك شيئاً، فما كانت الخلافة لتضيف
إلى مقامه شأناً، أو ترفع من قدره مقداراً، فهو علي وكفى به تعريفاً. وإنما وقع الخسران على الناس، حيث حرموا أنفسهم وأضاعوا حظهم، ﴿وألّوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً﴾ [١] (ويعرف التّالون غبّ ما أسسه
الأولون)[٢] .
وتوالت الأحداث مؤلمة، على علي وأولاد علي، وشيعة علي، وكأنما لم
يكن علي أخا الرسول صلي الله عليه و آله ونفسه وقرين بضعته وباب مدينة علمه وحامل لوائه، وكأنما لم يكن أولاد علي عليه السلام ذريّة الرسول صلي الله عليه و آله وعترته والقربى الذين أمر الله بمودتهم ومحبتهم[٣] ، وكأنما لم يكن شيعة علي عليه السلام هم الذين صدّقوا الرسول فيما قال وابتعوه فيما أمر.
وتمخضت تلك الأحداث المؤلمة عن مصرع علي في محرابه، وقتل أولاده
غيلة وصبراً، وتشريد شيعته في الآفاق.
[١] ـ سورة الجن، الآية: ١٥ .
[٢] ـ من خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (ع) لاحظ كشف الغمة في معرفة الأئمة ١ : ٤٩٤ المطبعة العلمية قم ١٣٨١ هـ .
[٣] ـ إشارة إلى قوله تعالى: >قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى< سورة الشورى، الآية: ٢٣ .