حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٠١ - خطبة النّبيّ
رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا».
فقام سعد بن معاذ سيّد الأوس، فقال: أنا و اللّه أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، و إن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة- و كان رجلا صالحا، و لكن احتملته الحميّة- فقال لسعد بن معاذ: كذبت، و اللّه لا تقتله و لا تقدر على ذلك، فتثاور الحيّان [١] في المسجد حتّى همّوا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخفّضهم حتّى سكتوا.
قالت: و بكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، و لا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة.
قالت: و أصبح عندي أبواي، و قد بكيت ليلتين و يوما [٢]، حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي.
قالت: فبينما هما عندي و أنا أبكي، إذ دخل علينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسلّم، ثمّ جلس عندي، قالت: و لم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل، و قد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء [٣]، فتشهّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا و كذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك اللّه، و إن كنت ألممت
[١] تثاور الحيّان: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب.
[٢] قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ٨/ ٤٧٤: أي: اللّيلة الّتي أخبرتها فيها أمّ مسطح الخبر، و اليوم الّذي خطب النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) النّاس، و اللّيلة الّتي تليه.
[٣] قال السّهيليّ في «الرّوض الأنف»، ج ٤/ ٢٣: كان نزول براءة عائشة رضي اللّه عنها بعد قدومهم المدينة بسبع و ثلاثين ليلة في قول بعض المفسّرين، و قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ١/ ٤٧٥: عن ابن حزم: أنّ المدّة كانت خمسين يوما أو أزيد. و اللّه أعلم.