حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٢٩٣ - غزوة ذات الرّقاع، أو غزوة نجد
الرّقاع إلى (نجد) يريد غطفان [١]- سمّيت بذلك لأنّ أقدامهم نقبت [٢] من الحفاء، و كان يلفّون عليها الخرق- فانتهى (صلى اللّه عليه و سلم) إلى (نجد)، فلقي جمعا من غطفان، فتقاربوا و لم يكن قتال، فلمّا صلّى الظّهر بأصحابه ندم المشركون أن لا يكونوا حملوا عليهم في الصّلاة، ثمّ قالوا: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم و أبنائهم- يعنون: صلاة العصر- فإذا قاموا إليها فشدّوا عليهم، فنزل جبريل (عليه السّلام) بصلاة الخوف، و هي قوله تعالى: وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
[١] ذكر المؤلّف- (رحمه اللّه)- غزوة ذات الرّقاع ضمن أحداث السّنة الرّابعة.
قلت: قال ابن القيّم في «زاد المعاد»، ج ٣/ ٢٥٢: صحّ عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنّه صلّى صلاة الخوف بذات الرّقاع، فعلم أنّها بعد الخندق و بعد عسفان، و يؤيّد هذا أنّ أبا هريرة و أبا موسى الأشعريّ رضي اللّه عنهما شهدا ذات الرّقاع، كما في الصّحيحين و غيرهما؛ و أنّ مروان بن الحكم سأل أبا هريرة، هل صليت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلاة الخوف؟، قال: نعم، قال: متى؟، قال: عام غزوة نجد. و هذا يدلّ على أنّ غزوة ذات الرّقاع بعد خيبر، و أنّ من جعلها قبل الخندق فقد وهم و هما ظاهرا، و لمّا لم يفطن بعضهم لهذا ادّعى أنّ غزوة ذات الرّقاع كانت مرّتين، فمرّة قبل الخندق و مرّة بعدها، و هذا لا يصحّ. ثمّ قال: و ممّا يدلّ على أنّ غزوة ذات الرّقاع بعد الخندق، ما أخرجه مسلم من حديث جابر:
أنّهم صلّوا صلاة الخوف بذات الرّقاع، و صلاة الخوف إنّما شرعت بعد الخندق، بل بعد عسفان، لأنّه ورد في الحديث: أنّ أوّل صلاة صلّاها للخوف بعسفان، و عسفان كانت بعد الخندق بلا خلاف. لذلك يجب ذكر هذه الغزوة بعد خيبر، مرجّحا رواية البخاريّ في الصّحيح، و مخالفا بذلك ما ذكره ابن إسحاق، الّذي جعلها في السّنة الرّابعة، قبل غزوة الخندق. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج ٣/ ٢٧١).
[٢] نقبت: رقّت جلودها و قرحت من المشي.