حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٧٩ - أبو طالب بين نصرته للرّسول
يميني، و القمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره اللّه أو أهلك فيه، ما تركته» ثمّ استعبر (صلى اللّه عليه و سلم) باكيا [١]، فقال له:
يا ابن أخي، قل ما أحببت، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا [٢].
و في ذلك يقول أبو طالب، [من الكامل] [٣]:
و اللّه لن يصلوا إليك بجمعهم* * * حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة* * * و ابشر و قرّ بذاك منك عيونا [٤]
و دعوتني و عرفت أنّك ناصحي* * * و لقد صدقت و كنت ثمّ أمينا
و عرضت دينا قد علمت بأنّه* * * من خير أديان البريّة دينا
لو لا الملامة أو حذار مسبّة* * * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
[١] استعبر: جرت دمعته. قلت: يا لقوّة الإيمان، و يا لعظمة النّفس البشريّة، و يا لجلال البطولة!! رجل يظنّ أنّه تخلّى عنه ناصره الوحيد من أهله، و هو و أصحابه في غمرات متتابعة من الأذى و البلاء، و تألّب رؤساء الشّرك عليه، ثمّ يقف هذا الموقف الفذّ العظيم!! إنّ هذا في منطق العقل يستحيل أن يكون مدّعيا أو كاذبا أو بشرا من عامّة البشر؛ ما هذا إلّا نبيّ كريم، و رجل بالغ أسمى درجات الثّقة باللّه ربّ العالمين.
فصلوات اللّه و سلامه عليه و على آله و صحبه أجمعين.
[٢] أخرجه البيهقيّ في «دلائل النّبوّة»، ج ٢/ ١٨٧.
[٣] دلائل النّبوّة، ج ٢/ ١٨٨.
[٤] اصدع بأمرك: بيّنه و اجهر به. أمرك: ما أمرك اللّه به من دعوة المشركين إلى عبادته وحده سبحانه. غضاضة: منقصة أو عيب. قرّت عين فلان: سرّ و رضي.