حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٦٨ - و أمّا النّوع العاشر منه في إعجاز القرآن العظيم
وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصّلت ٤١/ ٤٢]، قد أحكمت آياته، و فصّلت كلماته، و بهرت بلاغته العقول، و ظهرت فصاحته على كلّ مقول، صارخا بهم في كلّ حين، و مقرّعا لهم على مرّ السّنين، قائلا لهم: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٣].
و لم يزل يقرّعهم به أشدّ التّقريع، و يوبّخهم به غاية التّوبيخ، و يسفّه أحلامهم، و يحطّ أعلامهم، و هم في كلّ ذلك ناكصون عن معارضته، معترفون بالعجز عن مماثلته، حتّى أعرضوا عن المعارضة بالحروف، إلى المقارعة بالسّيوف، و قالوا على سبيل المباهتة [١] و الرّضى بالدّنيّة: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ [سورة فصّلت ٤١/ ٥]، و: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [سورة فصّلت ٤١/ ٢٦].
و لمّا سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النّحل ١٦/ ٩٠]، قال:
و اللّه، إنّ له لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة [٢]، و إنّ أسفله لمغدق [٣]، و إنّ أعلاه لمورق، و ما يقول هذا بشر) [٤].
[١] المباهتة: القذف بالباطل.
[٢] الطّلاوة: الرّونق و الحسن الفائق.
[٣] المغدق: كثير الماء.
[٤] الشّفا، ج ١/ ٥٠٠- ٥٠٧. بتصرّف من المؤلّف.