حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٠٨ - رضاعته
و كان أهل (مكّة) يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم، و لصحّة هواء البادية، فأقام (صلى اللّه عليه و سلم) فيهم نحو خمس سنين، و ظهر لهم من يمنه و بركته في تلك المدّة أنواع من المعجزات و خوارق العادات.
روى ابن إسحاق عن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنهما قال: قالت حليمة: خرجت في نسوة من بني سعد نلتمس الرّضعاء، على أتان لي قمراء [١]، في سنة شهباء [٢]، و معي زوجي الحارث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر، و معنا شارف لنا- أي: ناقة مسنّة- ما تبضّ [٣] بقطرة، و ما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبيّنا، ما في ثدييّ ما يغنيه، و لا في شارفنا ما يغذّيه، فخرجت على أتاني تلك، و لقد أذمّت [٤] بالرّكب- أي: و لقد أزرت بهم [٥]- ضعفا و عجفا [٦]، حتّى شقّ ذلك عليهم، حتّى قدمنا (مكّة)، فو اللّه ما منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتأباه إذا قيل لها: إنّه يتيم، [و ذلك أنّا إنّما كنّا نرجو المعروف من أبي الصّبيّ، فكنّا نقول: يتيم! و ما عسى أن تصنع أمّه و جدّه؟، فكنّا نكرهه لذلك]، فما بقيت امرأة ممّن قدمت معي إلّا أخذت رضيعا غيري، [فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: و اللّه إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي و لم آخذ رضيعا، و اللّه لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم
[١] القمراء: شدّة البياض أو بياض إلى الخضرة.
[٢] سنة شهباء: ذات جدب و قحط.
[٣] تبضّ: تدرّ.
[٤] أذمّت الرّكاب: أعيت و تخلّفت عن جماعة الإبل، و لم تلحق بها، يريد أنّها تأخّرت بالرّكب، أي: تأخّر الركب بسببها.
[٥] أزرت: قصّرت و تهاونت.
[٦] العجف: الهزال.