حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٧٦ - أمر كعب بن مالك، و هلال بن أميّة، و مرارة بن الرّبيع
قد شهدا (بدرا) فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، و نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة خاصّة [١]، فاجتنبنا النّاس، و تغيّروا لنا، حتّى تنكّرت الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فلمّا صلّيت صلاة الفجر، و أنا على الحال الّتي ذكرها اللّه تعالى [٢]، و قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، و ضاقت عليّ نفسي، سمعت و أنا جالس على ظهر بيتي صارخا، أوفى على (سلع) [٣]، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت للّه ساجدا، و قد آذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) النّاس بتوبة اللّه علينا، فذهبوا يبشّروننا، فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته نزعت له ثوبيّ، فكسوته إيّاهما ببشراه. و و اللّه ما أملك غيرهما يومئذ، و استعرت ثوبين فلبستهما، و انطلقت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فيتلقاني النّاس فوجا فوجا، فلمّا دخلت المسجد و سلّمت على النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال لي- و وجهه يبرق من السّرور-: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك».
و أنزل اللّه على رسوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ
[١] المعنى: نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن كلامنا نحن الثّلاثة مخصوصين من بين النّاس.
[٢] و هي قوله تعالى: وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [سورة التوبة ٩/ ١١٨].
[٣] سلع: جبل معروف في المدينة.