حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٦٥ - عام الوفود
و فيهما- [أي: صحيحي البخاريّ و مسلم]- أنّ النّاس قالوا:
كسفت الشّمس لموت إبراهيم، فنهاهم النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك، و صلّى صلاة الكسوف، فأطال فيها حتّى انجلت، ثمّ خطب النّاس فحثّهم على الصّدقة و العتق، و قال: «إنّ الشّمس و القمر آيتان من آيات اللّه، يخوّف اللّه بهما عباده، و لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته» [١].
[عام الوفود]
و في السّنة التّاسعة: دخل النّاس/ في دين اللّه أفواجا، كما أعلم اللّه سبحانه و تعالى رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، و جعله علما لقرب أجله.
و في «الصّحيحين»، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما، أنّ عمر رضي اللّه عنه قال له: ما تقول في: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ حتّى ختم السّورة؟، فقلت: هو أجل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أعلمه اللّه له. قال:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ- فتح (مكّة)- وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً- فذلك علامة أجلك- فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٣] فقال عمر:
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (١٠٠١). و مسلم برقم (٩٠١/ ٣). عن أبي بكرة رضي اللّه عنه. قلت: قال أبو شهبة- (رحمه اللّه)-: و إنّ المنصف ليقف خاشعا أمام هذا القول الحكيم، الّذي يدلّ على أنّ سيّدنا محمّدا نبيّ حقّا. فلو لم يكن نبيّا، و كان طالب ملك أو زعامة، أو مدّعيا نبوة؛ لاستغلّ اعتقاد النّاس هذا، أو على الأقل يسكت. و أيّ عظمة نفسيّة أعظم من ألّا ينسى الرّسول (صلى اللّه عليه و سلم) رسالته في أشدّ المواقف الّتي تملأ النّفس غمّا و حزنا، و ربّما تذهل الشّخص عمّا هو حقّ، لذلك لا غرو إذا كان المستشرقون الّذين كتبوا في سيرة النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و تناولوا هذه القصّة وقفوا منها موقف الإجلال و الإعظام، و لم يستطيعوا كتم إعجابهم و إكبارهم للنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و إعلان عرفانهم بصدق إنسان لم يرض في أدقّ المواقف إلّا الصّدق و إعلان الحقّ. (السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٥٨٣).