حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٣٣٥ - بعث دحية رضي اللّه عنه إلى قيصر ملك الرّوم
حربه و حربكم يكون سجالا و دولا، يدال عليكم المرّة، و تدالون عليه الأخرى، و كذلك الرّسل تبتلى، ثمّ تكون لها العاقبة.
و سألتك: بما ذا يأمركم؛ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا، و ينهاكم عمّا كان يعبد آباؤكم، و يأمركم بالصّلاة و الصّدقة و العفاف و الوفاء بالعهد و أداء الأمانة، و هذه صفة نبيّ.
و قد كنت أعلم أنّه خارج، و لكن لم أظنّ أنّه منكم، و إن يك ما قلت حقّا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، و لو أرجو أنّي أخلص إليه لتكلّفت لقيّه، و لو كنت عنده لغسلت قدميه.
ثمّ دعا بكتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد عبد اللّه و رسوله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، و أسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين- أي: الرّعايا-: و يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٦٤].
قال أبو سفيان: فلمّا انقضت مقالته، علت أصوات الّذين حوله من عظماء الرّوم، و كثر لغطهم، فلا أدري ما ذا قالوا، و أمر بنا فأخرجنا.
قال أبو سفيان: و اللّه، ما زلت ذليلا مستيقنا أنّ/ أمره سيظهر، حتّى أدخل اللّه الإسلام في قلبي و أنا كاره [١].
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٨٢). و مسلم (١٧٧٣/ ٧٤).