حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٢٨٠ - تغشية النّعاس المؤمنين
و ضربه ابن قمئة اللّيثي على وجهه، فدخلت حلقتان من حلق المغفر [١] في وجنته، و ضربه آخر على رأسه حتّى هشم البيضة [٢]، و كانوا أحرص شيء على قتله، فعصمه اللّه عزّ و جلّ منهم، و هو (صلى اللّه عليه و سلم) ثابت ينادي أصحابه، فلم يلو عليه أحد، إذ لم يعرفوه، و ظنّوا أنّه قد قتل، و هو في الحديد؛ الدّرع و المغفر، كما قال اللّه تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ- أي: جزاكم- غَمًّا بِغَمٍ- أي: بعد غمّ- [سورة آل عمران ٣/ ١٥٣].
[أوّل من عرف النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بعد إشاعة مقتله]
ثمّ إنّ كعب بن مالك الأنصاريّ رضي اللّه عنه عرف النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا، فهذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فعطف عليه نفر من المسلمين، و نهضوا إلى الشّعب.
[أبيّ بن خلف يبحث عن النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ليقتله]
فأدركهم أبيّ بن خلف فارسا، و هو يقول: أين محمّد؟
لا نجوت إن نجا، و شدّ عليه، فاعترضه رجال من المسلمين دون النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بيده هكذا- أي: خلّوا طريقه- و تناول الحربة فهزّها حتّى تطايروا من حوله لشدّة بأسه، ثمّ استقبله فدقّه في عنقه بطعنة، تدأدأ [٣] لها عن فرسه مرارا، و نفذت من الدّرع، فرجع إلى أصحابه فمات، فهمّ المشركون أن يكرّوا على النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه في الشّعب، فحماهم اللّه منهم.
[تغشية النّعاس المؤمنين]
ثمّ إنّهم لمّا ترادفت عليهم الغموم ممّا أصابهم، و من خوف كرّة العدوّ عليهم، ألقى اللّه عليهم النّعاس، أمنة منه لهم، إلّا المنافقين
[١] المغفر: زرد ينسج من الدّروع على قدر الرّأس، يلبس تحت القلنسوة.
[٢] البيضة: الخوذة الّتي توضع على الرّأس.
[٣] تدأدأ: تدحرج و سقط.