القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - المقام الأول في مدركها
قال اللَّه تعالى لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ [١] نهى سبحانه عن إضرار الام بولدها بترك إرضاعه غيظا على أبيه لبعض الجهات، كما انه نهى عن إضرار الأب بولده بمنع رزقهن و كسوتهن بالمعروف مدة الرضاع، فيمتنعن عن إرضاع الولد، فيتضرر منه الولد، و هذا أظهر الاحتمالات في معنى الآية الشريفة، و يشهد له صدرها أيضا حيث قال سبحانه «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» فإنه يشتمل على حكمين: حكم إرضاع الام حولين كاملين و حكم الإنفاق عليهن مدة الرضاع، و ذيل الاية متمم لهذين الحكمين فكأنه سبحانه قال: فان ابى أحدهما عن القيام بما هو وظيفة له- الأب من الإنفاق و الام من الإرضاع- فعلى الأخر ان لا تعامله بترك وظيفته فيضر بالولد من هذه الناحية، و يؤيده أيضا قوله تعالى «وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» كما لا يخفى، و على هذا يكون قوله «لا يُضَارَّ» مبنيا للفاعل و الباء زائدة فإن المضارة تتعدى بنفسها.
و قد يذكر في معنى الآية احتمالات أخر مبتنية على كون «لا تُضَارَّ» مبنيا للمفعول و الباء للسببية مثل ما ذكره الفاضل المقداد في «كنز العرفان في فقه القرآن» حيث قال: «قيل ان المراد ان لا يضار بالوالدة بأن يترك جماعها خوفا من الحمل و لا هي تمتنع من الجماع خوفا من الحمل فتضر بالأب روى عن الباقر و الصادق عليهما السلام» و على هذا المعنى، الآية تدل على نهى الأب عن الإضرار بالأم و بالعكس بسبب خوف الولد، و على الأول تدل على نهيهما عن الإضرار بالولد، فهي على كل حال دالة على نفى الضرر و النهى عن الإضرار في الجملة و هو المطلوب و اما تمام الكلام في فقه الآية فهو في محله و قال أيضا في حق النساء المطلقات «وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» [٢] نهى سبحانه عن الإضرار و التضييق على المطلقات في السكنى و النفقة في أيام عدتهن، كما اوصى بهن في موضع آخر بقوله وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [٣] نهى عن الرجوع الى المطلقات الرجعية لا لرغبة فيهن بل لطلب الإضرار بهن كالتقصير في النفقة أو
[١] البقرة- ٢٣٣
[٢] الطلاق- ٦
[٣] البقرة- ٢٣١.