القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٦ - اما المقام الأول مقام الثبوت
في قول القائل عند إنشاء هاتين القاعدتين: «إذا جاوزت عن محل شيء فشكك فيه ليس بشيء سواء كان في أصل وجوده أم في صحته و سواء كان في اجزاء عمل واحد أم في أمور مستقلة.
و هل ترى فرقا بين ان يضيف الى كلامه قوله «سواء إلخ» و بين ان يضمر ذلك في نفسه من غير تصريح به في الكلام؟ أو ليس قوله «سواء إلخ» توضيحا للإطلاق المراد من كلامه السابق، و هل هو إنشاء جديد مذكور في ذيل الكلام غير ما هو مذكور في صدره؟ كلا و هذا أمر وجداني لا يرفع اليد عنه ببعض السفسطات الباطلة، كيف و قد عرفت ان اللحاظ الإجمالي حين الإنشاء، أو استعمال اللفظ؛ كاف قطعا و لا حاجة الى اللحاظ التفصيلي كي يقع الكلام في عدم إمكان المتعدد منه في استعمال واحد.
هذا مضافا الى ان آن استعمال اللفظ ليس آنا حقيقيا عقليا، و ليس استعمال اللفظ في المعنى من قبيل فناء العنوان في المعنون و المرآت في المرئي كما توهم «فان هذه كلها استحسانات زائفة لا قيمة لها عند أبناء المحاورة إذا رجعنا إليهم، و كثير منها من قبيل خلط الحقائق بالاعتباريات، و الأمور العقلية بالأمور العرفية، و توضيح ذلك أكثر مما ذكر موكول الى محله
|
المرتمى في الدجى و المبتلى بعمي |
و المشتكى ظمأ و المبتغى دينا |
|
|
يأتون سدته من كل ناحية |
و يستفيدون من نعمائه عينا |
[١].
[١]- كما ان استعمال اللفظ الواحد في معان متعددة، بلا ملاحظة جامع بينها، أمر شائع في ألسنة أبناء المحاورة من أهل الأدب و الشعر، و غيرهم، و من الطف ما ذكر في المقام ما أفاده العلامة الخبير و الأديب الماهر الشيخ محمد رضا الأصفهاني (قده) في كتابه المسمى به «الوقاية» ناقلا له من بعض الأدباء في وصف نبينا الأعظم سلام اللّه عليه:
|
المرتمى في الدجى و المبتلى بعمي |
و المشتكى ظمأ و المبتغى دينا |
|
|
يأتون سدته من كل ناحية |
و يستفيدون من نعمائه عينا |
يمدح هذا الشاعر، النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلم بان كل ذي حاجة يأتي بابه و يستفيد من نعمائه:
فمنهم من وقع في ظلماء يبتغى شمسا مضيئة و نورا يهتدى به، و منهم من ابتلى بالعمى يطلب عينا يدله على الطريق: و منهم من يشتكي من الظلماء يروم عينا صافية يرتوي بها و يبرد كبده الحرى، و منهم- مديون يطلب بدينه يبتغى عين الذهب كل أولئك يأتون بابه و كل واحد منهم يستفيد منه بما يسد به خلته و برفع حاجته.
و من الواضح ان لفظة «العين» في المصراع الأخير استعمل في أربع معان:
العين بمعنى الشمس، و الباصرة، و النابعة، و بمعنى الذهب، كل واحد لو احد من الطوائف الأربع،.
و لا يخفى على العارف بأساليب الكلام و لطائفها و من له نصيب من قريحة الشعر و ذوق الأدب، أن لطف هذا الشعر انما هو باستعمال لفظ العين في معان اربع كل واحد مستقل عن الأخر. و إرجاع جميع هذه المعاني إلى معنى جامع قريب أو بعيد مع انه يذهب بلطف الشعر و طراوته، مخالف للوجدان لعدم انسباقه الى الذهن عند إطلاقه، و لو كان كذلك لا نسبق اليه بلا تأمل.
كما ان تأويله إلى المسمى به «العين» يأباه الطبع السليم و القريحة الوقادة و لا ينسبق الى الذهن أيضا من اللفظ بالوجدان. و قد أوضحنا جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى بدفع جميع ما ذكروا فيه من الاشكال فيما كبناه في «الأصول اللفظية»