القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢١ - ٢- السيرة العقلائية
يعتنى بهذا الشك و يكر النظر إليه مرة بعد مرة كلما شك في شيء مما يعتبر فيها؟
مع ان احتمال الفساد من ناحية الغفلة موجود في غالب أفعال الإنسان كيف و قد صار الغفلة و النسيان كالطبيعة الثانية له، و للغفلات تعرض للاريب.
و كلما كان الفعل أدق و كان اجزائه و شرائطه أكثر كان هذا الاحتمال فيه أقوى، فإذا كتب كاتب كتابا ضخما كان احتمال الغلط فيه من ناحية الغفلة و الاشتباه فيه قويا جدا و لكن إذا كان الكاتب ذو بصيرة في فعله و نية صادقة في كتابته عازما على بذل مجهوده في تصحيح الكتاب لا يعتنى باحتمال الفساد فيه إذا فرغ منه و جاوز عنه الا ان يكون هناك قرائن و أمارات توجب الظن بوجود الخلل في بعض نواحيه.
و لا فرق في ذلك بين ان يكون الكاتب غيره أو نفسه فشك في عمل نفسه. نعم إذا كان هو مشتغلا بعمله فشك في شيء منه في محله يكر النظر اليه حتى يكون على ثقة من صحته و أدائه كما هو حقه.
و لعمر الحق ان هذا أمر ظاهر لا سترة عليه لمن راجع أفعال العقلاء و ديدنهم في أمورهم المختلفة في الجملة؛ و ان كان باب المناقشة في جزئيات المسئلة و حدودها سعة و ضيقا واسعا و لكن أصل هذه القاعدة- على إجمالها- محفوظة عندهم.
و الظاهر ان الوجه في بنائهم هذا ان احتمال الغفلة حين الاشتغال بالعمل في حد ذاته أمر مرجوح لا يعتنى به. أضف اليه ان العاقل الشاعر الذاكر حين الفعل لا يأتي بما هو مخالف لأغراضه و اهدافه.
و هذا هو بعينه ما أشار إليه الإمام (عليه السّلام) في عبارة وجيزة لطيفة في رواية «بكير بن أعين» الماضية [١] حيث قال: «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك».
فإنه كالصغرى لكبرى محذوفة تعرف من سياق الكلام و هي ان الذاكر لفعله لا يأتي بما هو مخالف لمقصود و غرضه و إذا انضمت هذه الكبرى الى صغرى مذكورة في كلامه عليه السّلام
[١] نقلناها تحت الرقم ٥ في الروايات العامة.