القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥ - مقدمة بعض مشاكلنا العلمية
و من جانب آخر نريهم يعتنون بشأن الأقوال الشاذة، مهما كانت، و يتعبون أنفسهم بإيراد الإشكالات الكثيرة على كل واحد منها و لو كان ظاهر البطلان من غير حاجة الى إبطاله، و بتوضيح موارد النظر في ذيل كلام المخالف و صدره، و معناه و لفظه، و أصله و فرعه و لو كان أجنبيا عن تحقيق حكم المسألة.
و نراهم أيضا باحثين عن بعض مسائل أصول الفقه (اى ما يسمى أصولا و لعلها ليست بأصول!) شهرا أو شهورا عديدة ثمَّ يلتمسون ثمرة لها، من هنا و هناك، فقد لا يرى منها عين و لا اثر، فلما أعياهم الفحص يسكنون الى النذر و أشباهه و يرضون أنفسهم بظهور ثمرتها في النذور؛ و يقولون لعل ناذرا يبدو له و يقترح نذرا يرتبط بتلك المسألة، غفلة عن ان هذا الناذر المسكين يمكن ارتباط نذره باية مسألة من مسائل العلوم، فهل يرضى اللبيب بطرح جميعها في الأصول معتذرا بمثل هذا العذر؟
و اسوء من ذلك كله ما نراه من تغيير مجاري البحث في هذه العلوم و خلطها بغيرها فيستدل للمسائل الفقهية أو الأصولية باستدلالات لا يليق إيرادها إلا في المباحث الفلسفية، مع ان من الواضح ان كل علم يليق بطور من البحث لا يليق به الأخر فالفلسفة تدور على التدقيق و التعمق في الحقائق الكونية الخارجية و تدور استدلالاتها عليها؛ و اما الفقه و أصوله يدوران على أمور اعتبارية تشريعية و أمور عرفية و ضوابط جرت عليها سيرة العقلاء فيما بينهم، و كل من هذين يليق بطور من البحث لا يليق به الأخر، و لا شك ان تحريف كل منها عن موضعه لا يوجب الا بعدا و ضلالا من الحقيقة.
فصارت هذه الأمور و أمثالها تفنى برهة طويلة من أحسن أيام شباب طلاب العلم و شيئا كثيرا من نشاطهم العلمي و قواهم الفكرية، و تمنعهم عما هو أهم و أنفع. فأصبحت هذه المشكلة بلاء للعلم و اهله و لهذا- و لغيره- صارت ابحاثنا الفقهية اليوم تدور غالبا حول أبواب العبادات و شيء طفيف من المعاملات و بقيت سائر المباحث القيمة متروكة مهجورة إلا عند الأوحدي من العلماء الأعلام نسأل اللَّه تعالى و نبتهل اليه سبحانه ان يبعث أقواما ذوي عزائم راسخة يقومون.
بأعباء هذا الأمر و يهذبون علوم الدين و ينفون عنها هذه الزوائد و يهدون طلاب العلم