القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - الثالث- ان العسر و الحرج يختلف باختلاف العوارض الخارجية
و لازمه اختصاص نفى الحرج و الضرر بموارد لم يدل على خلافه دليل أصلا، لا عموما و لا خصوصا و فساد هذا القول أيضا ظاهر لمنافاته لما عرفت من تمسك الأئمة عليهم السلام بعموم نفى الحرج لنفى كثير من الاحكام في موارد يستلزم العسر و الحرج و تخصيص أدلتها به، و لسيرة كثير من الفقهاء رضوان اللّه عليهم، و لظاهر عمومات نفى الحرج و الضرر الواردة في مقام الامتنان الابية عن مثل هذه التخصيصات الكثيرة.
أضف اليه ان النسبة بينها و بين الأدلة المثبتة للأحكام عموم من وجه. فلا وجه لتقديمها على عمومات نفى الحرج و الضرر.
و اما ما احتمله المحقق النراقي (قده) من ان المستفاد من كلامه كون قاعدة نفى الحرج من باب أصل البراءة فيكون تقديم ما ثبت بأدلة الاحكام من باب تقديم الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية مع انه بعيد عن مساق كلامه، ظاهر الفساد، لأن الأصول العملية ناظرة إلى بيان وظيفة الشاك؛ و ليس في أدلة نفى الحرج و الضرر من الشك عين و لا اثر.
الثالث- ان العسر و الحرج يختلف باختلاف العوارض الخارجية
فقد يكون شيء عسرا و حرجا و لكن يكون باعتبار أمر خارجي سهلا و يسرا؛ و من الأمور الموجبة لسهولة كل عسر، و سعة كل ضيق، مقابلته بالعوض الكثير و الأجر الجزيل، و لا شك ان كل ما كلف اللّه سبحانه به من التكاليف يقابله ما لا يحصى من الأجر، قال تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها؛ و على هذا لا يكون شيء من التكاليف عسرا و حرجا، فكل ما كلف اللّه به من الأمور الشاقة ظاهرا فقد ارتفعت مشقتها بما و عدلها من الأجر الجميل و الثواب الجزيل (انتهى).
و فيه- ان لازمه أيضا سقوط أدلة نفى الحرج عن جواز الاستدلال بها رأسا لأن كل ما ورد الأمر به أو النهي عنه ففي امتثال امره و نهيه أجر الهى بالملازمة الثابتة من حكم العقل فلا يصح نفيه بأدلة نفى الحرج؛ بل تكون هذه الأدلة لغوا بالمرة و لا يبقى لقوله تعالى ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ معنى، الا ان يكون المراد نفى التكاليف المشتملة على المشقة الخالية عن الأجر و الثواب و لكنه يرجع الى توضيح أمر واضح.