القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٤ - ما يدل عليها من الكتاب العزيز
و في دلالتها على المقصود تأمل، فإن المستفاد من صدرها و ذيلها ان الأمر بالغسل و الوضوء عند وجدان الماء، و التيمم عند فقدانه؛ انما هو لمصلحة تطهير النفوس، أو هي و الأبدان، من الأقذار الباطنة و الظاهرة، فلا يريد اللّه تعالى بتشريع هذه التكاليف إلقاء الناس في مشقة و ضيق بلا فائدة فيها؛ بل انما يريد تطهيرهم بها، فالمراد من «الحرج» هنا ليس مطلق المشقة بل المشاق الخالية عن الفائدة و المصالح العالية التي يرغب فيها لتحصيلها.
و الشاهد على ذلك كلمة «لكن» الاستدراكية في قوله «وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» بعد قوله «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» و ان هو الا نظير قول القائل: «اشتر لي طعاما من ذاك المكان البعيد ما أريد لا جعلك بذلك في كلفة و مشقة و انما أريد تحصيل الطعام الطيب» فالمراد من الحرج هنا المشاق التي لا طائل تحتها، و لا فائدة مهمة فيها تجبر كلفتها، فلا يمكن التمسك بها لإثبات هذه القاعدة الكلية كما هو ظاهر.
و ان شئت قلت: المقصود إثبات قاعدة كلية دافعة للتكاليف الحرجية يمكن التمسك بها في قبال العمومات المثبتة للتكاليف حتى في موارد العسر و الحرج، نظير إطلاقات وجوب الوضوء و الغسل الشاملة لموارد الحرج.
و من الواضح ان إطلاقات الأدلة الأولية كما تدل على ثبوت الحكم حتى في موارد العسر و الحرج كذلك تدل على وجود مصالح في مواردها أو في نفس تلك الأحكام بالملازمة القطعية و ح لا يمكن نفى هذه التكاليف في موارد الحرج بالاية الشريفة بناء على ما عرفت من ظهورها في نفى المشقة الخالية عن فائدة جابرة لها.
و منها- قوله تعالى وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. [١] و غاية ما يمكن ان يقال في تقريب دلالتها على المدعى هو ان الظاهر من قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بعد نفى وجوب الصيام عن طائفتين، المسافرين و المرضى، انه بمنزلة التعليل لهذا الحكم، فيكون كسائر الكبريات
[١] سورة البقرة- الاية- ١٨٥.