القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - الأول- هل المراد من «الصحة» هي الصحة الواقعية أو الصحة عند الفاعل؟
لم يفده حمل فعل البائع على الصحة على القول الأول، و يفيده على الثاني، فإذن تنحصر فائدة هذه القاعدة على القول الأول بالموارد التي تطابق الصحة عند الفاعل الصحة عند الحامل، و اما في غيرها فإنما تفيد بالنسبة إلى الآثار التي يكون موضوعها الصحة الفاعلية كالايتمام على قول.
ثمَّ اعلم ان المدرك الوحيد في هذه المسألة هو ملاحظة الدليل الذي استندنا إليه في إثبات أصل القاعدة؛ و حيث ان عمدتها- كما عرفت- هي السيرة المستمرة بين العقلاء من جميع الأمم و في جميع الأعصار على اختلافهم في المذاهب و الآراء فالحق هو الحمل على الصحة الواقعية لأنه لم يعهد منهم ان يتساءلوا بينهم من معتقد الفاعلين في المسائل المختلفة عند حمل أفعالهم على الصحة، و يزيدك وضوحا ملاحظة حال المسلمين في الأعصار المختلفة مع تشعبهم في المذهب و اختلافهم في المسائل الفرعية فلم يعهد منهم السؤال عن معتقد الفاعل إذا كان وكيلا في البيع و غيره أو وصيا عن ميت أو وليا على صغير أو غير ذلك، بل تحمل أفعالهم على الصحيح عند الشك من غير فحص عن حال فاعلها.
و لعل قائلا يقول: ان منشأ هذه السيرة كما ذكرت أحد أمور ثلثة: أما الغلبة؛ أو اقتضاء طبيعة العمل، أو التعبد العقلائي دفعا للحرج و حفظا لنظام المجتمع و لا شك ان شيئا منها لا يقتضي أزيد من الصحة الفاعلية ضرورة أن الدواعي الباعثة على العمل انما تدعو الى الصحيح في نظر الفاعل و بحسب معتقده، و الغلبة انما تكون في موافقة عمله لما هو الصحيح عنده، و الحرج و الاختلال يندفعان بالحمل على الصحة الفاعلية، لتطابق الصحة عند الفاعل و الحامل في كثير من الموارد و كفى بها في دفع محذور الحرج و الاختلال.
و فيه- انه انما ذكرنا هذه الأمور بعنوان الحكمة و الداعي لبناء العقلاء على هذا الأصل، لا العلة التي يدور الحكم مدارها و قد عرفت ان ما نشاهده من سيرتهم هذه لا تنحصر بالموارد التي تطابق الصحة الفاعلية و الصحة عند الحامل بل تعمها و غيرها.
و قد عرفت ان استمرار سيرة المسلمين على هذه القاعدة المتخذة من سيرة العقلاء يؤكد