دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦١١ - القول فيما أوتي عيسى
أنثى، و إني لوحيدة في المنزل، و عبد المطلب في طوافه، قالت: فسمعت وجبة [١] شديدة و أمرا عظيما، فهالني ذلك، و ذلك يوم الاثنين، فرأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني كلّ رعب، و كل فزع و وجع كنت أجده، ثم التفتّ، فإذا أنا بشربة بيضاء و ظننتها لبنا، و كنت عطشى، فتناولتها فشربتها، فأضاء مني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال كأنهن بنات عبد المطلب [٢] يحدّقن بي، فبينا أنا أعجب و أقول:
و اغوثاه، من أين علمن بي هؤلاء، و اشتد بي الأمر و أنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم و أهول، فإذا أنا بديباج أبيض قد مدّ بين السماء و الأرض، و إذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: و رأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة، و أنا يرشح مني عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، و أنا أقول يا ليت عبد المطلب قد دخل عليّ، و عبد المطلب عني ناء، قالت: فرأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطّت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، و أجنحتها من اليواقيت، فكشف لي عن بصري، فأبصرت ساعتي مشارق الأرض و مغاربها، و رأيت ثلاث أعلام مضروبات، علم في المشرق، و علم في المغرب، و علم على ظهر الكعبة، و أخذني المخاض، و اشتد بي الأمر جدا، فكنت كأني مستندة إلى أركان النساء، و كثرن عليّ، حتى كأن الأيدي معي في البيت و أنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه، فإذا أنا به ساجد قد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن وجهي فسمعت مناديا يقول: طوفوا بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) شرق الأرض و غربها و أدخلوه البحار كلّها
[١] الوجبة: السقوط على الأرض. و المراد به هنا: صوت السقوط.
[٢] في الخصائص «من بنات عبد مناف».