دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٣٠ - اقتصرنا من ذكر أخلاقه و صفاته على هذين الخبرين
الحاجتين، و منهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم [و يشغلهم] [١] فيما أصلحهم و الأمة من مسألتهم عنه، و إخبارهم بالذي ينبغي لهم، و يقول «ليبلّغ الشاهد الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة» و لا يذكر عنده إلا ذاك، و لا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا و لا يفترقون إلا عن ذواق [٢]، و يخرجون أدلّة [٣].
قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟
فقال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخزن لسانه إلا مما يعنيهم [٤] و يؤلّفهم و لا يفرّقهم، أو قال: ينفّرهم، و يكرم كريم كلّ قوم و يولّيه عليهم، و يحذر الناس و يحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره و لا خلقه، يتفقد أصحابه، و يسأل الناس عما في الناس، و يحسّن الحسن [و يقويه] [٥] و يقبح القبيح و يوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصّر عن الحقّ و لا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة.
فسألته عن مجلسه؟ فقال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يجلس و لا يقوم إلا على ذكر، و لا يوطّن الأماكن و ينهى عن إيطانها، إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، و يأمر بذلك، و يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا
[١] ما بين الحاصرين من الشمائل.
[٢] الذواق: الطعام و الشرب، و المعنى هنا أنهم لا يتفرقون إلا عن علم و أدب يتعلمونه، يقوم لأنفسهم و أرواحهم مقام الطعام و الشراب لأجسامهم.
[٣] أدلة: مفردها دليل، أي فقهاء يدلون غيرهم إلى الهدى و العلم.
[٤] في الشمائل «يعنيه».
[٥] ما بين الحاصرين من الشمائل.