دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٢٩ - اقتصرنا من ذكر أخلاقه و صفاته على هذين الخبرين
قلت: صف لي منطقه؟ قال: كان (صلى اللّه عليه و سلم) متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح الكلام و يختمه بأشداقه، و يتكلم بجوامع الكلم، [كلامه] [١] فصل لا فضول و لا تقصير، دمث ليس بالجافي و لا المهين، يعظّم النعمة و إن دقّت، لا يذمّ منها شيئا، لا يذمّ ذواقا [٢]، و لا يمدحه، و لا تغضبه الدنيا و لا ما كان لها، و إذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد [٣]، و لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، و لا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلها، و إذا تعجّب قلبها، و إذا تحدّث اتصل بها، فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و أشاح، و إذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسّم، و يفترّ عن مثل حبّ الغمام.
قال فكتمتها الحسين زمانا، ثم حدثته، فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، و وجدته قد سأل أباه عن مدخله و مخرجه و شكله فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
فقال: كان دخول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزء اللّه عز و جل، و جزء لأهله، و جزء لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه و بين الناس، و يرد ذلك إلى العامة [٤] و لا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة: إيثار أهل الفضل بإذنه و قسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو
[١] ما بين الحاصرتين من الشمائل.
[٢] الذواق: المأكول و المشروب.
[٣] في شمائل الترمذي «فإذا تعدّي الحق لم يقم لغضبه شيء».
[٤] في الشمائل «فيرد ذلك بالخاصة على العامة».