دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٥٣٢ - و ما ذكر في غزوة الطائف
أن عروة بن مسعود و غيلان بن سلمة كانا تاجرين، خرجا إلى جرش [١] بعد قصد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى مكة عام الفتح يتعاملان على [٢] الدبابات و المنجنيق و العرّادات [٣] فأحكما ذلك، ففتح اللّه عز و جل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة، و رجعا هما إلى الطائف، فلما قدماها نصبا المنجنيق في جوف الحصن، و جعلا الدّبابات، و أعدّوا للقتال. ثم إن عروة بن مسعود بعدما فرغ، و لم يبق شيئا فيما يرى هو و قومه إلا و قد فرغ منه فيما يرون، ألقى اللّه عز و جل في قلب عروة الإسلام، فلقي غيلان بن سلمة فقال: ألا ترى إلى ما قد قرّب اللّه من أمر هذا الرجل؟ و إن الناس قد دخلوا مكة كلّهم، فراغب فيه و خائف أن يوقع به، و نحن عند الناس أدهى العرب، و مثلنا لا يجهل ما يدعو إليه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أنه نبي.
قال غيلان: لا تقل هذا يا أبا يعقوب، و لا يسمع منك، إني لا آمن عليك ثقيفا، و إن كان لك فيهم من الشرف ما لك فيها.
قال عروة: فأنا متّبعه و سائر إليه.
قال غيلان: لا تعجل حتى تنظر و تدبّر.
قال عروة: أيّ أمر هو أبين من أمر محمد (صلى اللّه عليه و سلم)؟ إني ذاكر لك أمرا لم أذكره لأحد قط، و أنا ذاكره لك الساعة.
قال غيلان، و ما هو؟
قال عروة: قدمت نجران في تجارة، و ذلك قبل أن يظهر محمد
[١] جرش: مخلاف من مخاليف اليمن من جهة مكة.
[٢] في سيرة ابن هشام «يتعلمان صنعة».
[٣] العراد: منجنيق صغير، و هو آلة من آلات الحرب.