دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٣٩ - الفصل السّابع عشر و مما ظهر من الآيات في مخرجه إلى المدينة و في طريقه (صلى اللّه عليه و سلم)
عنقه سطع، و في لحيته كثاثة [١]، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سماه و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاهم من بعيد، و أحلاه و أحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نذر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظم تحدّرن، ربعة، لا بائن من طول و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، هو أنظر الثلاثة منظرا و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس و لا معتد.
قال أبو معبد: هو و اللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة و لقد هممت أن أصحبه و لأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا، فأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون و لا يدرون من صاحبه:
جزى اللّه ربّ الناس خير جزائه* * * رفيقين قالا [٢]خيمتي أمّ معبد
هما نزلاها بالهدى و اهتدت به* * * فقد فاز من أمسى رفيق محمّد [٣]
فيال قصيّ ما زوى اللّه عنهم* * * به من فعال لا تجازى وسؤدد
ليهن بني كعب مقام [٤]فتاتهم* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت* * * عليه صريحا صرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب* * * يرددها في مصدر ثم مورد
و في رواية أبي عمر بن حمدان: و أصبح صوت بالمدينة بين السماء و الأرض يسمعون و لا يرون من يقوله.
[١] طول شعر اللحية و كثافته.
[٢] في سيرة ابن هشام: حلّا.
[٣] البيت في سيرة ابن هشام هكذا:
هما نزلا بالبر ثم تروّحا* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد
[٤] في البداية و النهاية ٣/ ١٠٩ مقام.