دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٢٦ - الفصل السّابع عشر و مما ظهر من الآيات في مخرجه إلى المدينة و في طريقه (صلى اللّه عليه و سلم)
الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:
قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للمسلمين بمكة: قد أريت [١] دار هجرتكم بأرض سبخة [٢] ذات نخل بين لابتين و هما الحرّتان [٣] فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و رجع إلى المدينة بعض من هاجر إلى الحبشة، و تجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: أترجو ذلك؟ بأبي أنت و أمي، قال:
نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لصحبته، و علف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق الشّجر [٤] أربعة أشهر.
قالت عائشة رضي اللّه عنها: فبينا نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مقبلا مقنّعا رأسه في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي و أمي، إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاستأذن، فأذن له، فدخل. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين ذاك: يا أبا بكر أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك- بأبي أنت يا رسول اللّه- فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنه قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: فالصحابة- بأبي أنت يا رسول اللّه- فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): نعم، فقال أبو بكر: فخذ- بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه- إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بالثمن.
قالت عائشة رضي اللّه عنها: فجهزناهما أحثّ الجهاز [٥] و صنعنا
[١] في الأصل: «رأيت» فصححناه من البخاري.
[٢] سبخة: ذات نزّ و ملح.
[٣] الحرة: أرض ذات حجارة سود.
[٤] في الأصل «السّمر» فصححناه من إتحاف الورى و غيره.
[٥] أحث الجهاز: أسرع الجهاز.