إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٢٨ - ٤ شرح إعراب سورة النساء
أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أي أفلا ينظرون في عاقبته و في الحديث «لا تدبروا» [١] أي لا يولي بعضكم بعضا دبره، و أدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره، و دلّ بهذا على أنه يجب التدبر للقرآن ليعرف معناه و كان في هذا ردّ على من قال: لا يؤخذ تفسير القرآن إلاّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لأنه ليس من متكلّم يتكلّم بكلام كثير إلا وجد في كلامه اختلاف كثير إمّا في الوصف و اللفظ و إما في جودة المعنى و إما في التناقض و إما في الكذب فأنزل جلّ و عزّ القرآن و أمر بتدبره لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف من العيوب و لا رذالة في معنى و لا تناقضا و لا كذبا فيما يخبرون به من علم الغيوب ما يسرّون.
وَ إِذََا جََاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ في إذا معنى الشرط و لا يجازى بها و المعنى: أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين و قتل عدوهم. أَوِ اَلْخَوْفِ و هو ضد هذا. أَذََاعُوا بِهِ أي أظهروه و تحدّثوا به من قبل أن يقفوا على حقيقته فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب و الإرجاف. وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلىََ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ و هم الأمراء لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه بالمسألة و هذا مشتق من «النبط» و هو أول ما يخرج من ماء البئر أول ما يحفر و سمّي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض. وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ رفع بالابتداء و الخبر عند سيبويه [٢] و لا يجوز أن يظهر الخبر عنده، و الكوفيون يقولون رفع بلولا. لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطََانَ إِلاََّ قَلِيلاً في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال أبو عبيد: التقدير أذاعوا به إلا قليلا، و هذا قول جماعة من النحويين قالوا لأن الأكثر من المستنبطين لا يعلمون. و قال أبو إسحاق [٣] : بل التقدير «لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا» ، لأن هذا الاستنباط الأكثر يعرفه لأنه استعلام بخبر، و هذان قولان على المجاز، و قول ثالث بغير مجاز. يكون المعنى: و لو لا فضل اللّه عليكم و رحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة لكفرتم و أشركتم إلا قليلا منكم أي إنه كان يوحد.
[١] أخرجه الترمذي في سننه في البر و الصلة ٨/١٢٠.
[٢] انظر الكتاب ٢/١٢٨.
[٣] انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج ٥٤٧.