إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ١٠٧ - ٢ شرح إعراب سورة البقرة
قول أهل التفسير في المعنى، و التقدير في العربية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث اللّه النبيين و دلّ على هذا الحذف وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا. فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ أي «مبشّرين» من أطاع و «منذرين» من عصى و هما نصب على الحال. وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ الكتاب بمعنى الكتب. لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ نصب بإضمار أن و هو مجاز مثل هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٩]، و قرأ عاصم الجحدري لِيَحْكُمَ شاذة لأنه قد تقدّم ذكر الكتاب. وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ موضع الذين رفع بفعلهم و الذين اختلفوا فيه هم المخاطبون. فَهَدَى اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أهل التفسير فيه و ربما أعدنا الشيء مما تقدّم لنزيده شرحا أو لنختار منه قولا. فمن أحسن ما قيل فيه: إن المعنى فهدى اللّه الذين آمنوا بأن بيّن لهم الحقّ مما اختلفت فيه من كان قبلهم، فأمّا الحديث «في يوم الجمعة فهم لنا تبع» [١] فمعناه فعليهم أن يتّبعونا لأن هذه الشريعة ناسخة لشرائعهم. قال أبو إسحاق [٢] : معنى بإذنه بعلمه. قال أبو جعفر: و هذا غلط و إنما ذلك الإذن و المعنى و اللّه أعلم بأمره و إذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى اللّه الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أَنْ تقوم مقام المفعولين: وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ حذفت الياء للجزم وَ زُلْزِلُوا حَتََّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ [٣] هذه قراءة أهل الحرمين، و قرأ أهل الكوفة و الحسن و ابن أبي إسحاق و أبو عمرو حَتََّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ بالنصب و هو اختيار أبي عبيد و له في ذلك حجّتان: إحداهما عن أبي عمرو: قال: «زلزلوا» فعل ماض و «يقول» فعل مستقبل فلما اختلفا كان الوجه النصب، و الحجة الأخرى حكاها عن الكسائي، قال: إذا تطاول الفعل الماضي صار بمنزلة المستقبل. قال أبو جعفر: أما الحجّة الأولى بأنّ «زلزلوا» ماض و «يقول» مستقبل فشيء ليس فيه علّة الرفع و لا النصب لأن حتّى ليست من حروف العطف في الأفعال و لا هي البتّة من عوامل الأفعال؛ و كذا قال الخليل و سيبويه [٤] : في نصبهم ما بعدها على إضمار «أن» إنما حذفوا أن لأنهم قد علموا أن حتى من عوامل الأسماء هذا معنى قولهما، و كأن هذه الحجة غلط و إنما تتكلم بها في
[١] أخرجه الطبري في تفسيره ٢/٣٣٨.
[٢] انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج ٢٤٧، و البحر المحيط ٢/١٤٧.
[٣] انظر التيسير ٦٨.
[٤] انظر الكتاب ٣/١٦، و الإنصاف مسألة ٨٣.