الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٢٦ - فالصحيحة الأولى
الخاصّة
القائمة بالنفس، ضرورة أنّ اليقين بعدالة زيد إذا لوحظ نفسه مع قطع النّظر
عن الزمان فهو منتقض قطعا، فلا معنى لحرمة نقضه، وإذا لوحظ مع ظرفه،
فبالنسبة إلى ظرف الحدوث باق قطعا، فإنّ اليقين بعدالة زيد في يوم الجمعة
الآن أيضا موجود، إذ الكلام ليس في الشكّ الساري، وبالنسبة إلى ظرف البقاء
مرتفع جزما، فما معنى حرمة نقضه؟بل المراد منه هو اليقين بما هو مقتض للجري
العملي، والحركة على طبق المتيقّن به، فإنّ الإنسان -بمقتضى جبلّته
وطبيعته الأوّليّة-جالب لما ينفعه، ومتحرّك نحو ما تيقّن أنّه نافع له،
ودافع لما هو مضرّ له.
ثمّ إنّ اليقين له مزيّة على العلم والقطع، فإنّه-على ما يظهر من موارد
استعمالاته-يطلق على ما له ثبوت واستمساك وإبرام في النّفس، فإنّه من«يقن
الأمر»من باب«تعب»: إذا ثبت، ولا يطلق إلاّ على ما حصل العلم به بمقدّمات
وتعب، ولذا لا يطلق[١]على اللّه تبارك وتعالى أنّه متيقّن، وهذا بخلاف
القطع، فإنّه في مقابل الترديد، ومعناه الوقوف، فكأنّ القاطع انقطع ووقف
على [١]أقول: إن كانت لهذه العناوين: العلم، والقطع، واليقين خصوصيّة
اعتباريّة، لا توجب عدم صحّة إطلاق بعضها على البارئ تعالى، بل إطلاقها
عليه تعالى صحيح. نعم إطلاق «القاطع»و«المتيقّن»على نحو العلم عليه تعالى
غير صحيح لكن ذلك من حيث توقيفيّة أسماء اللّه تعالى لا أن يكون غير صحيح
واقعا، فإطلاق«القاطع»و«المتيقّن»كإطلاق «العالم»بلا فرق إلاّ أنّ هذا ورد
في القرآن والأدعية وأنّهما لم يردا، ولا يكون هذا فارقا في صحّة الإطلاق
واقعا، ولذا لا يوجب إطلاق«القاطع»و«المتيقّن»عليه تعالى كفرا، ولا فرق
بينها فيما نحن فيه أيضا. هذا أوّلا.
و ثانيا: أنّ لازمه أنّه لو كان المستصحب مقطوعا أو معلوما، لما كان يجري الاستصحاب، وليس كذلك.
و ثالثا: كثيرا مّا يستعمل الأعاظم كلمة العلم والقطع مكان اليقين، وهذا كاشف عن أنّ كلّها بمعنى واحد. (م).