الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٤٤ - التنبيه الثامن
عن الواقع، ومع ذلك تقدّم الأمارات على الاستصحاب كما يقدّم الاستصحاب على الأصول.
أمّا وجه تقديم الاستصحاب على الأصول الثلاثة فهو عين وجه تقديم غيره من
الأمارات عليها، وهو أنّ المأخوذ في موضوع الأصول هو الشكّ والجهل،
والاستصحاب رافع للشكّ ومحرز للواقع كغيره من الأمارات، فبعد جريانه يرتفع
موضوع الأصول، فيتقدّم عليها تقدّم الحاكم على المحكوم.
و أمّا وجه تقديم الأمارات على الاستصحاب-مع كونه أيضا أمارة-فهو أنّ كلاّ
من الدليلين وإن كان أخذ الجهل في موضوعه إلاّ أنّ دليل الأمارة مطلق من
حيث اللفظ، وإطلاقه شامل لموارد ثلاثة: مورد العلم الوجداني على الخلاف،
والعلم التعبّدي عليه، والجهل بالواقع-و هذا بخلاف دليل الاستصحاب، حيث
إنّه مختصّ بمورد الجهل والشكّ، الظاهر في مورد عدم العلم بجميع مراتبه حتى
التعبّدي منه-و لا مقيّد لفظي لإطلاق دليل الأمارة، بل هو مقيّد بالدليل
العقلي بغير مورد العلم بالواقع، للزوم التصويب، والقدر المتيقّن من
التقييد هو التقييد بغير مورد العلم الوجداني بالواقع، أمّا مورد الجهل
بالواقع ومورد العلم التعبّدي الحاصل بدليل الاستصحاب فهما باقيان تحت
إطلاق دليل الأمارة، فتقدّم الأمارة على الاستصحاب مع كونه أيضا أمارة من
جهة أنّ موضوعه هو الجهل والشكّ، ودليل الأمارة مثل قوله عليه السّلام: «لا
عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا»[١]رافع
لموضوعه، حيث إنّ ظاهر أخذ الشكّ في لسان دليل الاستصحاب هو أخذه من كلّ
جهة بحيث لم يكن للشاكّ وجدانا علم بالواقع أصلا ولو تعبّدا، وقد عرفت أنّ
موضوع دليل الأمارة
[١]اختيار معرفة الرّجال: ٥٣٥-٥٣٦-١٠٢٠، الوسائل ٢٧: ١٤٩-١٥٠، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٤٠.