الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ١١٣ - هكذا تحدث القرآن عن الحسد
النحو الأمثل الذي ينبغي أن يصدر! وكأن في الأمر خطأ مّا! وهو نفس ما انتهى إليه كفار قريش في المسألة الكبرى الاعتقادية: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)[١]. وجواب الله سبحانه العاجل لهؤلاء، أن تلك القِسم المختلفة، كانت وفق الحكمة في البناء الاجتماعي، فلا بد أن يكون المجتمع متمايزا بعض الشيء ليتكامل، ولا يمكن أن يكون كله مستنسخا في نسخة واحدة، فإن هناك حكمة في الأمر، وهي: (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا).[٢]
ولقد صدق الشاعر في تحليل هذه النفسية، في قوله:
أيا حاسدًا لي على نعمتي أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب
٢ـ التطلع للغير والانشغال بهم: إن من العوامل المفضية إلى الحسد أن يترك الإنسان الحاسد ما لديه ويهمه ويعنيه ويلتفت إلى ما لدى الآخرين، فينشغل بذلك.. ولأنه يكون في عموم حياته هكذا فإنه لا يحصل على التقدم في أي
[١] الزخرف: ٣٢ [١١٠]
[٢] وبالطبع ليس المراد هنا السخرية والاستهزاء وإنما هو التسخير والاستخدام! لبناء الحياة. وهذا لا يعني أن يسخر منه، وإنما ماذا؟ يستخدمه ويسخره فأنت الآن في حياتك الاجتماعية تستخدم الخباز، ورب عملك يستخدمك، والتاجر يستخدم رب العمل، استخداما غير مباشر، ولكن على ضوئه تقوم الحياة الاجتماعية. فلو أن القضية تركت للإنسان نفسه، أي: أنا أقسم، أنا أريد أن أصبح هنا، أو هناك، وأن أكون كذا وكذا. وأنت أيضا، تريد أن تصبح في أعلى الدرجات، وأنا أيضا في أعلى الدرجات، وهذا كذلك في أعلى الدرجات، ورابع، فإنه يختل النظام الاجتماعي. (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ). فالغرض بعد أن (َرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) هو (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا).