الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ١٦٧ - كيف نقضي على الحقد؟
ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه فذلك خائنة الأعين[١]..
حرمة خائنة الأعين على النبي
ولقد كان من مختصات رسول الله ٦، أنه لم يكن يجوز له خائنة الأعين، حتى فيما هو جائز ولم يصدر منه فعل في هذا حتى أنه عندما جاء إليه عثمان بن عفان بابن ابي سرح وقد كان ممن يستحق القتل، وقد أهدر النبي دمه بناء على جرائم ارتكبها. فجلس النبي هكذا، والمسلمون أيضًا جالسون. إلى أن قام ذاك وخرج. فقالوا: يا رسول الله، لماذا لم تشر علينا حتى نُجهِز عليه؟! فقال: "إِنَّ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ حَرَامٌ عَلَيَّ"[٢].
ومع هذا الاحتياط من قبل رسول الله ٦، وبالتوجه إلى ما جاء في القرآن الكريم، من تثريب الخائنين، وإعراض الله عنهم فإننا نتعجب مما جاء في بعض مصادر التفسير للآية المباركة: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[٣]. من تطبيقها على رسول الله[٤]!! وأنه هو
[١] الصدوق؛ الشيخ محمد بن علي بن بابويه : معاني الأخبار ١ / ١٤٧
[٢] الألباني؛ محمد ناصر: صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم ٤٣٥٩ (وقد صححه المؤلف):.. لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله ابن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك قال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين...
[٣]) النساء: ١٠٥
[٤] وقد رأى البعض منهم كما في تفسيرالبيان ٧/ ٤٥٧ لابن جرير الطبري أنه وقَدْ قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ خاصَمَ عَنِ الخائِنِ، ولَكِنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِمّا هَمَّ بِهِ مِن ذَلِكَ، ومثله قاله الواحدي في أسباب النزول (فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ، وَكَانَ هَوَاهُ مَعَهُمْ وَأَنْ يُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ) مع براءة اليهودي!! وكذلك ما قاله الزركشي في البرهان ٤/ ٣٤٠ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ للخائنين خصيما﴾ أيْ لا تُخاصِمِ النّاسَ لِأجْلِ الخائِنِينَ! نعم ذهب المحققون من مفسريهم إلى خلاف ذلك وهو الصحيح، مثلما قال القرطبي في تفسيره ٥/ ٣٧٧:.. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ دُونَهُ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما- أنَّهُ تَعالى أبانَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: (ها أنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا). والآخَرُ- أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ حَكَمًا فِيما بَيْنَهُمْ، ولِذَلِكَ كانَ يُعْتَذَرُ إلَيْهِ ولا يَعْتَذِرُ هُوَ إلى غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ القَصْدَ لغيره.. وأشار فيما بعد أن هناك من جوز الصغائر على الأنبياء فيكون هذا منها!..