شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٨٦ - باب فى معنى اسمه تعالى ٩٠ - الهادى جل جلاله
و كما يهديهم إلى نفسه بحسن التعريف يهديهم إلى محاسن الأخلاق و معالى الأمور بحسن التشريف، قال اللّه سبحانه: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها[١] يكرم قوما لما يلهمهم من جميل الأخلاق، و يصرف قلوبهم إلى ابتغاء ما فيه رضاه، و يهديهم إلى استصغار قدر الدنيا و استحقار كرائمها حتى لا يسترقهم ذل الأطماع و لا تستعبدهم أخطار المستحقرات، فلا يتدنسون بالركوع إلى كل خسيسة، و لا يتلبسون بتعاطى كل نعمة وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[٢] و حكايات الأسخياء فى ذات اللّه أعلى منهم رتبة.
يحكى عن قيس بن سعد بن عبادة أنه مرض وقتا فلم يجد فى عواده كثرة، فسأل عن ذلك فقالوا له: إنهم يستحيون عن عيادتك لأن لك عليهم ديونا، فقال: لا خير فى مال يحول بيننا و بين إخواننا، نادوا فى البلد أنه من كان لى عليه شيء فقد وهبناه، فلما أصبح كسرت عتبة بابه من كثرة عواده.
و قيل: كان يبنه و بين رجل عداوة فأراد ذلك الرجل أن يماكره، فمضى إلى الناس فقال: إن قيسا يدعوكم، فحضر بابه خلق كثير، فقال: ما بال الناس، فقيل له: إنك دعوتهم، و لم يكن عنده فى الوقت مال حاضر، و كان له على الناس ديون، فأخرج الصكوك على الناس بعشرين ألف دينار ففرقها على من حضر منهم و قال: إذا خرج العطاء فخذوا هذا من الناس و اعذرونى، إذ ليس فى يدى ما أبركم بالنقد.
و أن الهداية إلى حسن الخلق باب الهداية إلى اعتقاد الحق، لأن الدين شيئان: صدق مع الحق، و خلق مع الخلق، ثم منازل الناس فى الخلق
[١] -الشمس: ٧، ٨.
[٢] -الحشر: ٩.