شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٠٥ - فصل من أراد أن يصفو تسبيحه
فصل من أراد أن يصفو تسبيحه
و أولى الأشياء لمن يريد أن يصفو تسبيحه أن يجرد قلبه من الأغيار، و يصون سره عن التدنس بالآثار، و مساكنة الأشكال و الأمثال، عند هجوم الأشغال، فإن قيمة توحيد الرجل و قدر معرفته تتبين عند الصدمة الأولى فيما يحل به من البلاء، فإن فزع إلى الأغيار بقلبه و علق بالأجناس خواطر لبه و رأى من المخلوقين كشف طوارق كربه و لم يرجع إلا بعد اليأس من الخلائق إلى ربه، علم تقاصر رتبته، و خساسة منزلته، و بعده من اللّه فى خصائص حفظه و عصمته.
و من أعرض عن الأسباب، و لم يعرج على الاستعانة بالأحباب، و لم ينثن بقلبه فى اعتقاده و استناده إلى الأصحاب، كفى المهمات، و خيرت له الخيرات، و تنكبته الآفات، و من صح باللّه توسله، و حق على اللّه توكله، كفته كفاية ربه و تفضله.
و قد حكى عن بعض المشايخ أنه قال: كنت أخدم شيخا بطرسوس، فولدت له بنية فى آخر عمره، فلما قربت وفاته استوصيته فيها، فقال لى:
تحملها إلى مكة فى الموسم و تدعها فى الحجر و تنصرف، فلما توفى الشيخ امتثلت أمره، و كنت أنظر من بعيد أرقب حالها كيف يصير؟ فمر بها خادم للخليفة فاستحسنها و أخذها، فدخلت بغداد بعد ذلك بمدة طويلة فرأيت البلد قد زين، فسألت عن السبب فقيل: إن خادما للخليفة رجع بصبية من الحج التقطها فاستظرفتها أم الخليفة فتبنتها، فلما كبرت زوجتها من ابن الوزير و جهزتها بعشرين ألف دينار، فعلمت عند ذلك صدق إشارة ذلك الشيخ[١].
[١] -و اقرأ تفسير قوله تعالى: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً من سورة الكهف.