شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٠٩ - باب فى معنى قوله تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق
فمن شأن الواعظ إن تكلم فى هذه الآية أن يذكر شيئا من مبادئ الوحى ثم يقرنه بشيء من البيانات ثم يذكر طرفا من بدايات المشايخ و يورد فى كل فن ما يليق به من الحكايات و النكت.
و نحن نذكر طرفا فى هذا الباب من هذا الجنس إن شاء اللّه تعالى.
و اعلم أن تفكير العبد فى ابتداء أمره يحمله على خالص الشكر لربه من قلبه، قال اللّه تعالى: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ (إبراهيم: ٥) الآية، أى بنعم اللّه، و كل الأحوال و الأوقات، و قال تعالى: أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً (مريم: ٦٧) و قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (المؤمنون: ١٢) ذكره اللّه تعالى نفسه لئلا يعجب بحالته و جرده عن كل فضيلة، و لهذا قال المشايخ: عرفهم مقدارهم لئلا يتعدوا أطوراهم، و قال:
وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ثم قال: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) ثم قال: وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (النحل: ٥٣) جردك أولا و عرّاك ثم أخبرك بما عرّفك من العلوم و الفهوم، و أعطاك ثم ذكّرك عظيم ما أنعم به عليك و أولاك، و فى معناه يقول المنشى:
|
سقيا لمعهدك الّذي لو لم يكن |
ما كان قلبى للصبابة معهدا |
|
فمن أين كان لك العرفان و الإسلام و الإيمان و الطاعة و الإحسان و الاستدلال و البرهان، لو لا ما ألبسك من التوفيق و أخلص لك من التحقيق، و أهلك له من التصديق، قال اللّه سبحانه وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها (الفتح: ٢٦) ثم اعلم أن سنة اللّه تعالى مع عباده فى بدء أحوالهم تختلف، فمنهم