شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٨٧ - باب فى معنى قوله تعالى تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام
أحدها: الثناء عليه بذكر إحسانه و إنعامه.
و الثانى: الثناء عليه بذكر استحقاقه لصفات ذاته.
و الثالث: الثناء عليه بذكر وجوده على وصف لا يشاركه فيه موجود.
و هذه الآية تشتمل على هذه الوجوه، فإنها إن كانت من البركة فهى فضله و إحسانه، و ذلك فعله، و إن قلنا: إنه بمعنى تعظم، فعظمته استحقاقه لصفات العلو و المجد كعلمه الشامل و إرادته النافذة و قدرته الماضية، إلى سائر صفات ذاته، و إن قلنا: إنه من بروك الطير على الماء فهو إخبار عن وجوده، بشرط القدم و نعت البقاء و الدوام.
و كل من ذكر اللّه سبحانه باسم من أسمائه و أثنى عليه بنعت من نعوته فإن من آداب ذلك أن يطالب نفسه بمقتضى ذلك الاسم و موجب ذلك الذكر، فمن أثنى عليه بقوله: تبارك، فمن الواجب أن يقوم بآداب هذا الخطاب، فإن قلنا إنه من بروك الطير على الماء فهو إخبار عن وجوده بشرط البقاء، فينبغى لهذا الذاكر إذا عرف وجود الحق سبحانه أن يصغر الخلق فى عينه.
و قد سئل بعضهم عن التوحيد فقال: هو أن تشهد للعالم وجودا بين طرفى عدم، بمعنى أن الأغيار و الرسوم و الأطلال و الأمثال و الأشكال من العدم وجدت بقدرة خالقها، و آثارها يستحيل عليها الدوام، و ما يصح لها البقاء منها فجواز العدم معها لأن بقاءها بإبقاء المبقى، و لو قطع عنها البقاء لتلاشت، و قد قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قال بعض الناس: كل حي ميت إلا اللّه، نظيره: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ أى مات، و قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فإذا عرف العبد أن العالم بعرض الفناء لم يوطن إلا على كراهتها نفسه، و لم يطلب فيها راحته و أنسه،