شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٣٩ - باب فى معنى اسمه تعالى ٦٨ - الصمد جل جلاله
قال أهل الحكمة: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى لوجب على العاقل أن يزهد فى الذهب الفانى و يرغب فى الخزف الباقى، فكيف و الدنيا مذرة[١] و مآلها إلى الفناء.
قال الشبلى: الدنيا مذرة، و لك منها عبرة.
و حكى عن رجل أنه اشترى دارا فحفر موضعا فوجد جرة فيها دنانير فمضى إلى البائع و قال: إنى اشتريت الدار و لم أشتر الدنانير فخذ مالك، فقال البائع:
أنا بعت الدار بما فيها لا آخذها، فتحاكما إلى القاضى فقال الحاكم: أ لكما أولاد فقال أحدهما: لى ابن، و قال الآخر: لى بنت، فقال: زوّجا أحدهما من الآخر و أنفقا الدنانير عليهما.
فهذا من صفات من لم يجعل للدنيا عنده خطرا.
و حكى أن رجلين تنازعا فى أرض فأنطق اللّه تعالى لبنة من جدار تلك الأرض حتى قال: إنى كنت ملكا من الملوك، ملكت الدنيا ألف سنة ثم مت و صرت رميما ألف سنة فأخذنى خزاف و اتخذ منى خزفا، ثم أخذنى رجل و ضرب منى لبنا، و أنا فى هذا الجدار منذ كذا سنة، فلم تتنازعا فى هذه الأرض.
و أما من علم أنه الصمد بمعنى أنه لا يطعم علم أنه يطعم، قال اللّه تعالى:
وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ[٢] فتتوجه رعايته عند مآربه إليه و يصدق توكله فى جميع حالاته عليه فلا يتهمه فى رزقه، كما أنه لا يستعين بأحد من خلقه عليه، فإن الّذي يحتاج إلى ملبوس و مأكول لا تصدق الرغبة إليه فى مأمول و لا يرجى منه النجح لمسئول، و إذا عرف أنه الّذي يصمد إليه فى الحوائج شكا إليه فاقته و رفع إليه حاجته و تملق بجميع تضرعه و تقرّب بصنوف توسله.
[١] -أى فاسدة.
[٢] -الأنعام: ١٤.