شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٠٤ - فصل تقديس الأعمال عن الرياء
و ينبغى لمن يريد أن يتحقق بتسبيحه أيضا أن ينزه مطعمه من الحرام و الشهوات، فإنه قد ورد الخبر بأن لحما نبت من حرام فالنار أولى به.
و قال بعض الحكماء: عجبت لمن يترك الحلال مخافة الداء، و لا يترك الحرام مخافة النار.
و حكى عن بعضهم أنه قال: رأيت شابا عليه عباءة و بيده ركوة فقال لى:
إنى إنسان أقصد الورع فلا آكل إلا ما ألقاه الناس، فربما أجد قشرة شيء سبقنى إليه النمل فألقيه و لا أتناوله، فهل عليّ من ذلك شيء؟ قال: فقلت فى نفسى:
بقى على وجه الأرض من يتورع فى مثل هذا؟ كالمنكر له غير المصدق بمقامه، قال: فنظرت فإذا الرجل واقف على أرض من فضة صافية، فقال لى:
الغيبة حرام، و غاب عن بصرى.
و معنى الحكاية أنه لما ترك ما حجب الخلق عن اللّه أكرمه اللّه بنور الإشراق، حتى نطق عما خطر بقلبه من الإنكار، ثم أخفاه اللّه تعالى عنه بشؤم الاعتراض، و هكذا سنة اللّه فى أوليائه أن يسترهم عمن لا يبلغ مرتبتهم.
فصل تقديس الأعمال عن الرياء
و ينبغى له أن يقدس أعماله عن الرياء و المصانعات و التزين للمخلوقين بإظهار الطاعات، فإن اللّه تعالى لا يقبل من الأعمال، إلا ما كان بوصف الإخلاص للّه تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (البينة: ٥).
و حكى عن بعضهم عن سهل بن عبد اللّه أنه قال: هل لك أن تحضر الجمعة؟ قال: فقلت: و كيف و بيننا و بين الجامع مسيرة يوم و ليلة، قال فأخذ بيدى، فلم يكن إلا قليلا حتى رأيت الجامع، فدخلنا و صلينا، فلما خرجنا نظر إلى الناس يجرون فقال: أهل لا إله إلا اللّه كثير و المخلصون منهم قليل.
و فى الخبر: «أخلص العمل يكفك القليل منه».