شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٨٩ - باب فى معنى اسمه تعالى ١٣ - الغفار جل جلاله
باب فى معنى اسمه تعالى ١٣- الغفار[١] جل جلاله
و من أسمائه: الغافر و الغفور و الغفار، فالغفور المبالغة، و الغفار أشد مبالغة من الغفور، و المصدر منه المغفرة، يقال: غفر يغفر مغفرة و غفرا و غفرانا فهو غافر و غفور على الكثرة، و غفّار على المبالغة، و معنى الغفر: الستر و التغطية، و يقال: لجنة الرأس: المغفر لأنه يستر الرأس، و غفر الثوب زئبره[٢].
[١] -هو الّذي أظهر الجميل و ستر القبيح، و الذنوب من جملة القبائح التى سترها بإرسال الستر عليها فى الدنيا، و التجاوز عن عقوبتها فى الآخرة، و الغفر هو الستر.
و أول ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه أى ما تستقبحها الأعين مستورة فى باطنه، مغطاة فى جمال ظاهره، و كم بين باطل العبد و ظاهره فى النظافة و القذارة و فى القبح و الجمال، فانظر ما الّذي أظهره و ما الّذي ستره.
و ستره الثانى أن جعل مستقر خواطره المذمومة و إرادته القبيحة، ستر قلبه حتى لا يطلع أحد على ستره، و لو انكشف للخلق ما يخطر بباله فى مجارى وساوسه و ما ينطوى عليه ضميره من الغش و الخيانة و سوء الظن بالناس لمقتوه بل سعوا فى إزهاق روحه و أهلكوه، فانظر كيف ستر غيره أسراره و عوراته.
و ستره الثالث مغفرته ذنوبه التى كان يستحق الافتضاح بها على ملأ الخلق، و قد وعد أن يبدل سيئاته حسنات ليستر مقابح ذنوبه بثواب حسناته إذ ما ثبت على الإيمان.
[٢] -الزئبر: الوبر و الزغب و حظ العبد من هذا الاسم أن يستر من غيره ما يجب أن يستر منه، فقد قال صلى اللّه عليه و سلم:« من ستر على مؤمن عورته ستر اللّه عورته يوم القيامة» و المغتاب و المتجسس و المنتقم و المكافئ على الإساءة بمعزل من هذا الوصف و إنما المتصف به من لا يفشى من خلق اللّه تعالى إلا أحسن ما فيه، و لا ينفك مخلوق عن كمال و نقص، و عن قبح و حسن، فمن تغافل عن المقابح و ذكر المحاسن فهو ذو نصيب من هذا الاسم، كما روى عن عيسى ٧ أنه مر مع الحواريين على كلب ميت قد غلب نتنه فقالوا: ما أنتن هذه الجيفة، فقال عيسى ٧: ما أحسن بياض أسنانه، تنبيها على أن الّذي ينبغى أن يذكر من كل شيء ما هو أحسن.