شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٩١ - باب فى معنى اسمه تعالى ١٣ - الغفار جل جلاله
ردوه، ثم يسأله و يقول: لم التفتّ؟ فيقول: يا رب، لما بلغت ثلث الطريق تذكرت قولك: وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ[١] فقلت: لعلك أن تغفر لى، فلما بلغت نصف الطريق تذكرت قولك: وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ[٢] قلت: لعلك تغفر لى، فلما بلغت ثلثي الطريق تذكرت قولك: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ[٣] فازددت طمعا، فيقول اللّه تعالى: اذهب فقد غفرت لك.
قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً[٤] كأنه قال: من أرخى عمره فى الزلات، و أفنى حياته فى المخالفات، و أبلى شبابه فى البطالات، ثم ندم قبل الممات وجد من اللّه العفو عن السيئات، لأن قوله: ثُمَ يقتضي التراخى، كأنه قال: من لم يتب فى الحال و لكن فى آخر العمر.
و قيل: إن رجلا كان يقول: إلهى أبطأت، إلهى أبطأت، فهتف به هاتف لم تبطئ، إنما أبطأ من مات و لم يتب.
و قوله تعالى: يَعْمَلْ سُوءاً إخبار عن الفعل، و قوله: ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إخبار عن القول، كأنه قال: الذين زلاتهم أفعال، توبتهم أقوال.
و لقد سهل عليك الأمر من رضى عنك بمقاله و قد عملت ما عملت، ثم انظر إيش قال فى قوله: يَجِدِ اللَّهَ طلبوا المغفرة فوجدوا اللّه، أى نكتة لمن يعقلها، ليس العجب من السيارة حيث طلبوا الماء ليشربوا فوجدوا يوسف، إنما العجب من عاص طلب المغفرة فوجد اللّه تعالى.
[١] -الكهف: ٥٨.
[٢] -آل عمران: ١٤٥.
[٣] -الزمر: ٥٣.
[٤] -النساء: ١١٠.